تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
أحدهما : أن قوله
لَنَنْزِعَنَّ
عمل في
مِنْ
وما بعدها ، واكتفى الفعل بما ذكر معه ، كما تقول « قتلت من كل قبيل ، وأكلت من كل طعام » فيكتفي الفعل بما ذكر معه ، فكذلك هاهنا : عمل الفعل في الجار والمجرور واكتفى بذلك ، ثم ابتدأ فقال :
( أَيُّهُمْ أَشَدُّ )
فرفع ( أيهم ) بأشد كما رفع ( أشد ) بأيهم ، على ما عرف من مذهبنا . والوجه الثاني : أن الشّيعة معناها الأعوان ، وتقدير الآية : لننزعن من كل قوم شايعوا فتنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيا ، والنظر من دلائل الاستفهام ، وهو مقدّر معه ، وأنت لو قلت « لأنظرنّ أيّهم أشد » لكان النظر معلقا ، لأن النظر والمعرفة والعلم ونحوهن من أفعال القلوب ، وأفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهن استفهام ، فدل على أنه مرفوع لأنه مبتدأ . والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه ما حكاه أبو عمر الجرمي أنه قال : خرجت من الخندق - يعني خندق البصرة - حتى صرت إلى مكة ، لم أسمع أحدا يقول « اضرب أيّهم أفضل » أي : كلهم ينصبون ، وكذلك لم يرو عن أحد من العرب « اضرب أيّهم أفضل » بالضم ، فدل على صحة ما ذهبنا إليه . والذي يدلّ على فساد قول من ذهب إلى أنه مبني على الضم أن المفرد من المبنيات إذا أضيف أعرب ، نحو قبل وبعد ، فصارت الإضافة توجب إعراب الاسم ، وأيّ إذا أفردت أعربت ، فلو قلنا « إنها إذا أضيفت بنيت » لكان هذا نقضا للأصول ، وذلك محال . . . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنها مبنية هاهنا على الضم ، وذلك لأن القياس يقتضي أن تكون مبنية في كل حال ، لوقوعها موقع حرف الجزاء والاستفهام والاسم الموصول كما بنيت « من ، وما » لذلك في كل حال ، إلا أنهم أعربوها حملا على نظيرها - وهو « بعض » - وعلى نقيضها وهو « كل » ، وذلك على خلاف القياس ، فلما دخلها نقص بحذف العائد ضعفت فردّت إلى أصلها من البناء على مقتضى القياس ، [ 300 ] كما أن « ما » في لغة أهل الحجاز لما كان القياس يقتضي أن لا تعمل ، إذا تقدم خبرها على اسمها أو دخل حرف الاستثناء بين الاسم والخبر ردّ إلى ما يقتضيه القياس من بطلان عملها ، فكذلك هاهنا : لما كان القياس يقتضي أن تكون مبنية ، لما حذف منها العائد ردت إلى ما يقتضيه القياس من البناء ، يدل عليه أن « أيهم » استعملت استعمالا لم تستعمل عليه أخواتها من حذف المبتدأ معها ، تقول : « اضرب أيّهم أفضل » تريد أيهم هو أفضل ، ولو قلت : « اضرب من أفضل ، وكل ما أطيب » تريد من هو أفضل وما هو أطيب لم يجز ، فلما