تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
أي : لم يشيموا سيوفهم غير كاثرة بها القتلى ، والمعنى لم يشيموا سيوفهم « 1 » إلا في تلك الحالة ، وإذا كان محمولا على النفي لا على النهي لم يكن لكم فيه حجة . والذي يدلّ على فساد ما ذهبوا إليه أنه لا يجتمع ساكنان في الوصل إلا إذا كان الثاني منهما مدغما . قولهم : « إن هذا النحو قد يلحقه ما يوجب له الإدغام ، نحو : اضربا نعمان واضربانّي ، فينبغي أن تجيزوا هذا للإدغام » قلنا : هذا لا يستقيم ؛ لأنا نكون قد رددنا النون الخفيفة مع لزوم حذفها في حال الوصل والوقف إذا لم يتبعه كلام ، وذلك خطأ . ثم كيف ترده وأنت لو جمعت هذه النون إلى نون ثانية لاعتلت وأدغمت وحذفت في قول بعض العرب ؟ فإذا كفوا مؤنتها لم تكن ليردوها إلى ما يستثقلون ، ولو جوزنا هذا في « اضربا نّعمان » ونحوه لوجب إجازته في قولك « اضربان أباكما » في قول من لم يهمز ؛ لأن هذا الموضع لم يمتنع فيه الساكن من التحريك ، فتردها إذا وثقت بالتحريك كما رددتها حيث وثقت في الإدغام ، وكما لا يجوز أن ترد في هذا وما أشبهه لأنك جئت به إلى شيء قد لزمه الحذف فكذلك ها هنا ، ولو وجب « 2 » إجازته في غير ذلك من الأسماء التي لا نون في أولها ؛ ليكون
شرح
- والمفروض أن معنى لم يشيموا لم يغمدوا - فإن المعنى حينئذ انتفت إعادتهم السيوف إلى أغمادها وانتفت أيضا كثرة القتلى ، يعني أن الثابت لهم شيئان : عدم إغماد السيوف ، وعدم كثرة القتلى ، وهذا ذمّ شنيع ، ولا شك أنه ليس مراد الشاعر ، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الواو في قوله « ولم تكثر القتلى » يجوز أن تكون للعطف ، وصححوا المعنى على ما أراد الشاعر بأحد وجهين : الأول أن معنى « لم يشيموا سيوفهم » لم يسلّوها : أي لم يخرجوها من أغمادها . وهذا وجه نقله مع الوجه الأول ابن رشيق في العمدة ؛ قال بعد إنشاد البيت : « أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى ؛ كما تقول : لم أضربك ولم تجن علي ؛ إلا بعد أن جنيت علي ، وقال آخرون : أراد لم يسلّوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى ؛ كما تقول : لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك ؛ والقولان جميعا صحيحان ؛ لأنه من الأضداد » اه . والحاصل أنك إذا فسرت « لم يشيموا سيوفهم » بلم يغمدوها تعين أن تكون الواو للحال ، وإن فسرت « يشيموا سيوفهم » بلم يسلّوها جاز أن تكون الواو للعطف وجاز أن تكون للحال ؛ والوجه الثاني من الوجهين : أن مراد الشاعر بقوله « ولم تكثر القتلى » أنهم لم يكثروا من القتل ؛ لأنهم لا يقتلون كل من قدروا عليه ، وإلا لأفنوا أعداءهم إفناء ، وإنما يقتلون أكفاءهم في الشجاعة والإقدام على المكاره ، وذلك قليل في أعدائهم .
هامش
( 1 ) لعلّ كلمة « إلا » لا لزوم لها . ( 2 ) كذا ، وأظن أصل الكلام « ولوجب إجازته » .