وقال الآخر :
[ 420 ]
[ 276 ] لتجدنّي بالأمير برّا * وبالقناة مدعسا مكرّا
* إذا غطيف السّلميّ فرّا *
أراد « غطيف » بالتنوين ، إلا أنه حذفه لالتقاء الساكنين ، كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين .
والذي يدلّ على أن نون التوكيد في الفعل بمنزلة التنوين في الاسم أنه إذا انفتح ما قبلها أبدلت منها في الوقف ألفا ، وإذا انضم ما قبلها أو انكسر حذفتها ، كما تبدل من التنوين في النصب إذا وقفت ألفا ، نحو « رأيت زيدا » وتحذفه في الرفع والجر وتقف بالسكون ، نحو « هذا زيد ، ومررت بزيد » فدل على ما قلناه .
وأما قولهم : « إن هذه النون دخلت لتأكيد الفعل المستقبل ؛ فكما جاز إدخالها في كلّ فعل ؛ فكذلك فيما وقع فيه الخلاف » قلنا : إنما جاز هناك لمجيئه في النقل ، وصحته في القياس ، وأما ما وقع فيه الخلاف فلم يأت في النقل عن أحد من العرب ، ولا يصح في القياس ؛ لأنه لا نظير له في كلامهم .
وأما قولهم : « إن الألف فيها زيادة مدّ » قلنا : إلا أنه على كل حال لا يخفّ كل الخفة ، ولا يعرى عن الثقل ، هذا مع عدم نظيره في النقل وضعفه في القياس ؛ لأن الألف لم تخرج عن كونها ساكنة ، وإذا كانت ساكنة فلا يجوز أن يقع بعدها ساكن إلا مدغما ، نحو « دابّة ، وشابّة » لأن الحرف المدغم بحرفين : الأول ساكن ، والثاني متحرك ، إلا أنه لما نبا اللسان عنهما نبوة واحدة ، وصارا بمنزلة حرف واحد وفيهما حركة قد رفع المدّ في الألف كأنه لم يجتمع ساكنان .
شرح
- التقاء الساكنين اللذين هما سكون التنوين وسكون لام الذي لأن بينهما ألف وصل ولا اعتداد بها في الدرج ، لكنه حذف التنوين رأسا في هذا الموضع للتخلص من التقاء هذين الساكنين ، وهذا الحذف من الضرورات التي لا تقع إلا في الشعر .
[ 420 ] هذه ثلاثة أبيات من الرجز المشطور ، وقد أنشد ثلاثتها ابن الشجري في أماليه ( 1 / 345 ) وابن منظور ( د ع س ) وأنشد أولها وثانيها ( د ع ص ) ولم يعزها في المرتين ، وأنشدها أبو زيد في النوادر ( 91 ) مع بيتين سابقين من غير عزو ، وتقول : رجل مدعس ، ومدعص - وهو بالصاد أشهر - ومداعس بضم الميم هنا : أي طعان ، وتقول : دعصه بالرمح يدعصه دعصا - من مثال فتح - إذا طعنه به ، وقد يسمى الرمح مدعصا ؛ لأنه آلة الدعص ، وجمعه مداعص - بفتح الميم - ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « غطيف » حيث حذف التنوين لغير واحد من الأسباب الثمانية السابقة بيانها ، بل للتخلص من التقاء الساكنين ، وهو ضرورة ، والقول فيه كالقول في الشواهد السابقة .