تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
وأما قولهم : « إنه قد جاء في غير المدغم ، كقوله تعالى :
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ
[ الأنعام : 162 ] فنقول : وجه هذه القراءة أنه نوى الوقف فحذف الفتح ، وإلّا فلا وجه لهذه القراءة في حال الوصل ، إلا أن يجري الوصل مجرى الوقف . وذلك إنما يجوز في حال الضرورة . وأما ما حكي عن بعض العرب من قوله « التقت حلقتا البطان » وقول الآخر « ثلثا المال » فغير معروف ، والمعروف عن العرب حذف الألف من « حلقتا البطان ، وثلثا المال » وما أشبههما ؛ لالتقاء الساكنين ، وإن صح ما حكيتموه عن أحد من العرب فهو من الشاذ النادر الذي لا يقاس عليه ، ولا يعتد به لقلته . وأما قولهم : « إنه يجوز تخفيف الهمزة في تحو هباءة ، والهمزة [ 277 ] المخففة ساكنة » قلنا : لا نسلم أنها ساكنة ، بل هي متحركة ، وسنبين فساد ذلك مستقصى في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وأما قراءة ابن عامر : ( ولا تتّبعانْ ) بالنون الخفيفة فهي قراءة تفرد بها ، وباقي القراء على خلافها ، والنون فيها للإعراب علامة الرفع ؛ لأن « لا » محمول على النفي ، لا على النهي ، والواو في « ولا » واو الحال ، والتقدير : فاستقيما غير متبعين ، كما قال الشاعر : [ 421 ]
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم * ولم تكثر القتلى بها حين سلّت
شرح
[ 421 ] هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب ( رقم 592 ) وابن يعيش في شرح المفصل ( ص 248 ) وأنشده ابن منظور ( ش ي م ) وعزاه إلى الفرزدق ، وقد وجدته في ديوان الفرزدق ( ص 139 ) بيتا مفردا ، وأنشده ابن رشيق في العمدة ( 2 / 178 بتحقيقنا ) وعزاه إلى سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي رضي اللّه عنهما وذكر آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : « ويروى للفرزدق » وروى صدره :* أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم *ورواه أبو العباس المبرّد في الكامل ( 1 / 180 الخيرية ) ولم يشيموا سيوفهم : أي لم يغمدوها ، أي لم يعيدوها إلى قربها ، وقال قوم : المراد لم يسلوها ، أي لم يخرجوها من أغمادها ، فهو على هذا من الأضداد . ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله « ولم تكثر القتلى » فإن جماعة من العلماء - منهم ابن يعيش وابن هشام - ذهبوا إلى أن الواو في قوله « ولم تكثر - الخ » هي واو الحال ، قال ابن هشام « ولو قدرت للعطف لانقلب المدح ذما » اه ، وهذا مبني على أن معنى « لم يشيموا سيوفهم » لم يعيدوها إلى أغمادها ، يريد أنهم لم يعيدوها إلى أغمادها في حال عدم كثرة القتلى ، أي انتفت إعادتهم السيوف إلى الأغماد في حال عدم كثرة القتلى ؛ فيكون الثابت لهم إدخال السيوف في أغمادها حال كثرة القتلى ، وهذا مدح أي مدح ، وهو مبنيّ على جعل الواو للحال ، فأما إن جعلت الواو للعطف -