لكثرة الاستعمال ليس بقياس ليجعل أصلا لمحل الخلاف « 1 » ، على أن الحذف لو وجد كثيرا في غير الحرف من الاسم والفعل فقلّما يوجد في الحرف ، وإن وجد الحذف في الحرف في بعض المواضع فهو على خلاف القياس ؛ فلا يجعل أصلا يقاس عليه .
وأما ما رووه عن العرب من قولهم في سوف أفعل « سو أفعل » و « سف أفعل » [ 269 ] فالجواب عنه من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن هذه رواية تفرّد بها بعض الكوفيين ؛ فلا يكون فيها حجّة .
والثاني : إن صحت هذه الرواية عن العرب فهو من الشاذ الذي لا يعبأ به ؛ لقلته .
والثالث : أنّ حذف الفاء والواو على خلاف القياس ، فلا ينبغي أن يجمع بينهما في الحذف ؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له في كلامهم ؛ فإنه ليس في كلامهم حرف حذف جميع حروفه طلبا للخفة على خلاف القياس حتى لم يبق منه إلا حرف واحد ، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم مردود .
وأما قولهم : « إن السين تدلّ على الاستقبال كما أن سوف تدل على الاستقبال » قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن يستويا في الدلالة على الاستقبال على حدّ واحد ، ولا شك أن سوف أشدّ تراخيا في الاستقبال من السين ، فلما اختلفا في الدلالة دلّ على أن كل واحد منهما حرف مستقل بنفسه ، غير مأخوذ من صاحبه ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) ليس هنا قياس ، لأنه قد ورد عن العرب « سوف أفعل » و « سو أفعل » بحذف الفاء ، و « سف أفعل » بحذف الواو ، وأجمعنا على أن الثاني والثالث مقتطعان من الأول ؛ وورد عن العرب أيضا « سأفعل » فقلنا : وهذا أيضا مقتطع من الأول ؛ فالمدار على الورود عن العرب ، فأين القياس ؟