تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
أي : إذ ، والشواهد على هذا النحو أكثر من أن تحصى . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : أجمعنا على أن الأصل في « إن » أن تكون شرطا ، والأصل في « إذ » أن تكون ظرفا ، والأصل في كل حرف أن يكون دالا على ما وضع له في الأصل ، فمن تمسك بالأصل فقد تمسك باستصحاب الحال ؛ ومن عدل عن الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل ، ولا دليل لهم يدل على ما ذهبوا إليه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين . أما احتجاجهم بقوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] فلا حجة لهم فيه ، لأن « إن » فيه شرطية ، وقولهم : « إنّ إن الشرطية تفيد معنى الشك » قلنا : وقد تستعملها العرب وإن لم يكن هناك شك ، جريا على عاداتهم في إخراج كلامهم مخرج الشك وإن لم يكن هناك شك ، على ما بيّنا قبل ، ومنه قولهم : « إن كنت إنسانا فأنت تفعل كذا ، وإن كنت ابني فأطعني » وإن كان لا يشك في أنه إنسان وأنه ابنه ، ومعناه أن من كان إنسانا أو ابنا فهذا حكمه ، فخاطبهم اللّه تعالى على عادة خطابهم فيما بينهم . وهذا هو الجواب عن جميع ما استشهدوا به من الآيات ، إلا قوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
[ الفتح : 27 ] فإن الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن [ 262 ] يكون الاستثناء وقع على دخولهم آمنين ، والتقدير فيه : لتدخلنّ المسجد الحرام آمنين إن شاء اللّه . والوجه الثاني : أن يكون ذلك على طريق التأديب للعباد ليتأدّبوا بذلك ، كما قال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] . وهذا هو الجواب عن قوله صلوات اللّه عليه : « وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » ، لأنه لما أدّبه الحقّ بقوله تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ، 24 ] تمسّك بالأدب ، وأحال على المشيئة فقال : « وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون » . وعلى هذا أيضا يحمل قول السلف « أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى » ، ويحتمل أيضا وجهين آخرين : أحدهما : أن يكونوا قالوا ذلك تركا لتزكية النفس ، لا للشك ، كما قال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم : 32 ] وكما قيل لبعض الحكماء : ما الصدق القبيح ؟ فقال : ثناء الرجل على نفسه .