إنه لما كان « رضيت » ضدّ سخطت ، وسخطت تعدّى بعلى ، فكذلك « رضيت » حملا له على ضدّه ؛ فكذلك هاهنا : جعل لم أفعل دليلا على جواب الشرط المحذوف ؛ حملا على فعلت .
وحذف جواب الشرط كثير في كلامهم إذا كان في الكلام ما يدلّ على حذفه ، كقولهم : « أنت ظالم إن فعلت كذا » أي : إن فعلت كذا ظلمت ، فحذف « ظلمت » لدلالة قوله : « أنت ظالم » عليه ، والشواهد على حذف جواب الشرط في كلامهم للدلالة عليه أكثر من أن تحصى ، واللّه أعلم .
شرح
- يريد إذا امرؤ ولّى عني بودّه وجفاني ثم رجع إلى الودّ لم يرجع برجوعه ودّي ؛ فوضع على موضع عن كما في بيت الشاهد ؛ ومن وضع حرف في موضع حرف آخر قول عنترة في معلقته :بطل كأن ثيابه في سرحة * يحذى نعال السبت ليس بتوأميريد أنه طويل القامة فإذا لبس ثيابه فكأنها نشرت على شجرة مشرفة عالية . فوضع في موضع على ، ومن ذلك قول أعرابي من طيّىء :نلوذ في أم لنا ما تغتصب * من الغمام ترتدي وتنتقبأراد بالأم جبلا من جبال طيّىء ؛ وما تغتصب : أي أنها منيعة على من أرادها ؛ وقد وضع في موضع الباء في قوله « نلوذ في أم لنا » لأن « لاذ » يتعدى بالباء .
التخريج الثاني : أن يضمنوا الفعل المذكور في الكلام معنى فعل آخر يتعدى بالحرف المذكور ؛ فيضمنوا « رضي » في قول القحيف معنى عطف أو أقبل ؛ وكل من عطف وأقبل يتعدى بعلى ، وهكذا .
والتخريج الثالث : أن يحمل الفعل على ضده ؛ فيحمل « رضي » في بيت القحيف على سخط ، وسخط يتعدى بعلى ، ويحمل « ولى » في قول الطائي « ولى علي بوده » على أقبل ، وأقبل ضد ولّى ، وهكذا .
وليس كل كلام يمكن تخريجه على كل واحد من هذه التخريجات الثلاثة ، بل يحمل على ما يمكن منها . وفي هذا ما يكفي أو يغني .