تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
شاء اللّه بكم لاحقون » أي : إذ ، لأنه لا يجوز الشك في اللحوق بهم ، وقال الشاعر : [ 406 ]
وسمعت حلفتها التي حلفت * إن كان سمعك غير ذي وقر
شرح
[ 406 ] الحلفة - بفتح الحاء وسكون اللام - واحدة الحلف ، وهو القسم ؛ تقول حلف فلان يحلف - من باب ضرب - حلفا بفتح فسكون أو بكسر فسكون أو بفتح فكسر ؛ ومحلوفا أيضا ؛ وهذا أحد المصادر التي جاءت على زنة المفعول مثل المجلود والمعقول والمعسور والميسور ؛ وقالوا « محلوفة باللّه ما فعل كذا » بالنصب : أي يحلف محلوفة باللّه ما فعل كذا ؛ وقال امرؤ القيس في الحلفة :حلفت لها باللّه حلفة فاجر * لناموا ؛ فما إن من حديث ولا صاليوقال زيد الفوارس الحصين بن ضرار الضبي :تألّى ابن أوس حلفة ليردني * إلى نسوة كأنهن مفائدوالوقر - بفتح الواو وسكون القاف - ثقل في الأذن ؛ ويقال : هو أن يذهب السمع كله ؛ قال اللّه تعالى :وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌوقال :وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًىوقال :وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً *وقال :وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراًومحل الاستشهاد في هذا البيت هنا قوله « إن كان سمعك غير وقر » فإن الكوفيين زعموا أن « إن » ههنا بمعنى إذ ؛ والكلام تعليل لقوله « سمعت حلفتها » فإن المراد عندهم : سمعت حلفتها لأن سمعك سليم غير ذي وقر ؛ والذي دعاهم إلى هذا أن الأصل في الشرط أن يكون مستقبلا ؛ لأن القصد تعليق الجواب عليه ، وتعليق الشيء لا يكون على شيء مضى ؛ لأنه حينئذ لا فائدة في تعليق وجود الجواب عليه ؛ وإنما يكون التعليق فيما يأتي من الزمان ؛ فلما وجدوا « إن » تدخل على الفعل الماضي قالوا : إنه لا يراد بها التعليق حينئذ ، وإنما يراد بها التعليق ؛ وخرجوا ما أثره المؤلف من الآيات الكريمة ونحوها على هذا ؛ واستدلوا بجملة أبيات منها هذا البيت الذي أنشده المؤلف ههنا ؛ ومنها قول الفرزدق ؛ وهو من شواهد الرضي في الجوازم وشواهد المغني :أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا * جهارا ؛ ولم تغضب لقتل ابن خازم ؟ومنها قول الآخر :أتجزع إن بان الخليط المودع * وحبل الصفا من عزّة المتقطع ؟ومما يؤيدهم أنك تجد « إن » - فيما ذكروه من الآيات الكريمة والأبيات - لم يذكر بعدها جواب ؛ وأن الآيات قد قرىء في كل منها بكسر همزة « إن » وقرىء بفتحها ؛ وكذلك الأبيات التي رووها تروى بكسر الهمزة وبفتحها ؛ فهذه ثلاثة أشياء : كون الفعل بعدها ماضيا ، وعدم ذكر جواب ، ورواية فتح الهمزة . وكلها يمنع أن تكون « إن » شرطية . وقد تمحل البصريون في كل واحد من هذه الثلاثة : أما مضي الفعل فزعموا أنه - وإن كان ماضيا في اللفظ - مستقبل في المعنى ؛ لأنه سبب لما أريد التعليق عليه ، أو لأن المراد : إن يتبيّن كذا ، وأما عدم ذكر الجواب فقد ادعوا أنه محذوف لدلالة الكلام عليه وهو مراد ، وأما فتح الهمزة فقد أنكروا وروده .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 519 | أبو البركات بن الأنباري