تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
لِنْتَ لَهُمْ
[ آل عمران : 159 ] أي : فبرحمة ، وقال تعالى :
عَمَّا قَلِيلٍ
[ المؤمنون : 40 ] أي : عن قليل ، وقال تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ
[ النساء : 155 ] أي : فبنقضهم ، و « ما » زائدة ، فكذلك هاهنا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : « إنها تكون بمعنى ما » قلنا : نسلم أنها تكون بمعنى « ما » في موضع ما ، فأما ما احتجوا به فأكثره نقول بموجبه ؛ إذ لا نمنع « 1 » أن تقع في بعض المواضع بمعنى ما . وأما ما احتجّوا به من قوله تعالى :
بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 93 ] فلا نسلم أنّ « إن » هاهنا بمعنى ما ، وإنما هي هاهنا شرطية ، وجوابه مقدر ، والتقدير فيه : إن كنتم مؤمنين فأي إيمان يأمر بعبادة عجل من دون اللّه تعالى ؟ وكذلك قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
[ الزخرف : 81 ] لا نسلم أيضا أنها هاهنا بمعنى ما ، وإنما هي شرطية ، وجوابه فأنا أول العابدين : أي الآنفين ، من قولهم : « عبد الرجل يعبد عبدا فهو عبد وعابد » إذا أنف ، وجاء في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه « عبدت فصمت » أي أنفت فسكتّ ، وقال الشاعر : [ 407 ]
أولئك قومي إن هجوني هجوتهم * وأعبد أن تهجى تميم بدارم
شرح
[ 407 ] أنشد ابن منظور هذا البيت ( ع ب د ) ونسبه إلى الفرزدق ، وقد بحثت ديوان الفرزدق فلم أجده ، وإن كان معنى البيت يتكرّر كثيرا في كلام الفرزدق ، كقوله لجرير :ولست وإن فقأت عينيك واجدا * أبا لك - إذ عد المساعي - كدارموكقوله في العديل بن الفرخ العجلي :عجبت لعجل إذ تهاجى عبيدها * كما آل يربوع هجوا آل دارموكقوله ، وهو أقرب لبيت الشاهد :وليس بعدل أن سببت مقاعسا * بآبائي الشم الكرام الخضارم ولكن عدلا لو سببت وسبني * بنو عبد شمس من مناف وهاشموتقول « عبد فلان على فلان يعبد عبدا فهو عبد من مثال فرح يفرح فرحا فهو فرح » وعابد أيضا : إذا غضب وأنف ، وقد عدّى الفرزدق هذا الفعل بنفسه من غير حرف الجر في قوله :علام يعبدني قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان ؟والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله « وأعبد » فإنه فعل مضارع ماضيه « عبد » من باب فرح ، ومعناه أنف وغضب ، وقال ابن أحمر يصف الغواص :فأرسل نفسه عبدا عليها * وكان بنفسه أربا ضنينا-
هامش
( 1 ) في ر « إذ لا يمنع أن يقع » .