تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
وإذا ثبت هذا وأنه في تقدير التقديم ؛ فوجب جواز تقديم معموله على حرف الشرط ؛ لأن المعمول قد وقع في موقع العامل . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز تقديم معمول الشرط والجزاء على حرف الشرط ؛ لأن الشرط بمنزلة الاستفهام ، والاستفهام له صدر الكلام ، فكما لا يجوز أن يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله فكذلك الشرط ، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال « زيدا أضربت » ؟ فكذلك لا يجوز أن يقال « زيدا إن تضرب أضرب » . والذي يدلّ [ 259 ] على ذلك أنّ بين الاستفهام وبين الشرط من المشابهة ما لا خفاء به ، ألا ترى أنك إذا قلت « أضربت زيدا ؟ » كنت طالبا لما لم يستقر عندك ، كما أنك إذا قلت « إن تضرب زيدا أضرب » كان كلاما معقودا على الشك ؛ فإذا ثبتت المشابهة بينهما من هذا الوجه ؛ فينبغي أن يحمل أحدهما على الآخر ؛ فكما لا يجوز أن يتقدم ما بعد الاستفهام عليه ؛ فكذلك الشرط . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : « إنّ الأصل في الجزاء أن يكون مقدّما على الشرط » قلنا : لا نسلم ، بل مرتبة الجزاء بعد مرتبة الشرط ؛ لأن الشرط سبب في الجزاء ، والجزاء مسبّبه ، ومحال أن يكون المسبب مقدما على السبب ، ألا ترى أنك لا تقول « إن أشكرك تعطني « 1 » » وأنت تريد إن تعطني أشكرك ؛ لاستحالة أن يتقدم المسبب على السبب ، وإذا ثبت أن مرتبة الجزاء أن تكون بعد الشرط وجب أن تكون مرتبة معموله كذلك ؛ لأن المعمول تابع للعامل . وأما قول الشاعر :
* إنك إن يصرع أخوك تصرع * [ 401 ]
فلا حجّة لهم فيه ؛ لأنه إنما نوى به التقديم وجعله خبرا لإنّ لأجل ضرورة الشعر ، وما جاء لضرورة شعر أو إقامة وزن أو قافية فلا حجة فيه . وأما قول زهير :
وإن أتاه خليل يوم مسألة * يقول . . . [ 402 ]
فلا نسلّم أنه رفعه لأن النية به التقديم ، وإنما رفعه لأن فعل الشرط ماض ، وفعل الشرط إذا كان ماضيا نحو « إن قمت أقوم » فإنه يجوز أن يبقى على رفعه ؛ لأنه لما لم يظهر الجزم في فعل الشرط ترك الجواب على أول أحواله - وهو الرفع
هامش
( 1 ) لكنه لو قال « أشكرك إن تعطني » كان صحيحا وأفاد المعنى ، وهو موطن الخلاف ، فتأمل .