تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
- وهو وإن كان مرفوعا في اللفظ فهو مجزوم في المعنى ، كقولك « يغفر اللّه لفلان » لفظه مرفوع ومعناه دعاء مجزوم ، كقولهم : « ليغفر اللّه لفلان » . وأما قول الآخر :
* فلم أرقه إن ينج منها . . . * [ 403 ]
فلا حجة لهم فيه ؛ لأن قوله : « فلم أرقه » دليل على جواب الشرط ؛ لأن لم أفعل نفي لفعلت ، وفعلت تنوب مناب جواب الشرط المحذوف ، كما [ 260 ] قال الشاعر : [ 404 ]
يا حكم الوارث عن عبد الملك * أوديت إن لم تحب حبو المعتنك
شرح
[ 404 ] هذان بيتان من الرجز المشطور ، وهما من أرجوزة لرؤبة بن العجاج يمدح فيها الحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان ، وأولهما : من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب ( رقم 15 ) وفي شرح قطر الندى ( رقم 87 ) وثانيهما : وحده من شواهد ابن منظور ( ع ن ك - ح ب ا ) وابن جني في الخصائص ( 2 / 389 و 3 / 321 ) وبين البيتين في أرجوزة رؤبة عدة أبيات ، و « أوديت » أي هلكت ، وتحبو : له معنيان أحدهما : أن يكون من الحبو الذي هو الزحف ، وأصله مشي الصبي على يديه ورجليه ، والآخر : أن يكون بمعنى تمنح وتعطي ، تقول : حباه يحبوه حبوا ، تريد أنه أعطاه ، والمعتنك - على زنة اسم الفاعل - أصله البعير يكلف أن يصعد في العانك من الرمل ، والعانك من الرمل هو ما انعقد منه ، ولا يتأتى الصعود فيه إلا مع جهد ومشقة عظيمين والبعير قد يحبو فيه ويبطىء في سيره ويشرف بصدره ويتلطف حتى يتمكن من صعوده يقول : إني أهلك إن لم تمنحني من عنايتك وترفقك بي وتلطفك في معالجة شؤوني مثل ما يعطيه البعير من ذلك حين يريد أن يصعد في عانك الرمل . ومحل الاستشهاد من هذا البيت ههنا قوله « أوديت إن لم تحب » فإن قوله « أوديت » في هذه العبارة دليل على جواب الشرط المتأخر وهو قوله « إن لم تحب » ولا يجيز البصريون أن يكون قوله أوديت هو جواب الشرط ؛ لأن جواب الشرط معمول للشرط ، والشرط عامل ضعيف ومن آثار ضعف العامل : ألا يعمل محذوفا ، ولا متأخرا عن المعمول ، بل لا بدّ أن يكون مذكورا متقدما على معموله ، وقد يجوز حذفه إن قام مقامه شيء ، قال ابن جني : « أما قوله :* فلم أرقه إن ينج منها ، وإن يمت *فذهب أبو زيد إلى أنه أراد : إن ينج منها فلم أرقه ، وقدم الجواب . وهذا عند كافة أصحابنا غير جائز ، والقياس له دافع ، وعنه حاجز ، وذلك أن جواب الشرط مجزوم بنفس الشرط ، ومحال تقدم المجزوم على جازمه ، بل إذا كان الجار - وهو أقوى من الجازم ؛ لأن عوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال - لا يجوز تقديم ما انجرّ به عليه كان ألا يجوز تقديم المجزوم على جازمه أحرى وأجدر ، وإذا كان كذلك فقد وجب النظر في البيت ، ووجه القول عليه أن الفاء في قوله فلم أرقه لا يخلو أن تكون معلقة بما قبلها أو زائدة ، وأيهما كان فكأنه قال : لم أرقه إن ينج منها ، وقد علم أن لم أفعل نفي فعلت ، وقد أنابوا فعلت -