تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
والتقدير فيه : يقول إن أتاه خليل يوم مسألة ، ولولا أنه في تقدير التقديم ، وإلا لما جاز أن يكون مرفوعا ، وقال الآخر : [ 403 ]
فلم أرقه إن ينج منها ، وإن يمت * فطعنة لا غسّ ولا بمغمّر
والتقدير فيه : إن ينج فلم أرقه ، فقدّمه في الموضع الذي يستحقه في الأصل ،
شرح
- الخاء وتشديد اللام - وهي الفقر ، ومن أمثال العرب « الخلّة تدعو إلى السلّة » أي الفقر يدعو إلى السرقة ، ويوم مسألة : يروى في مكانه « يوم مسغبة » وقوله « لا غائب مالي » يريد أنه لا يعتذر للمحتاج بأن ماله غائب ، وقوله « ولا حرم » هو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء ، ومعناه المحروم ، وهو على تقدير مبتدأ ، أي ولا أنت محروم ؛ ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « يقول » فإنه فعل مضارع وقع بعد أداة شرط وفعل شرط ماض ؛ وقد جاء هذا المضارع مرفوعا ؛ فأما سيبويه فيرى أن هذا المضارع ليس هو جواب الشرط ، ولكنه دليل على الجواب ، وهو على نية التقديم وإن كان متأخرا في اللفظ ، فكأنه قال : يقول : لا غائب مالي ولا حرم إن أتاه خليل ، وأما أبو العباس المبرد فيذكر أن هذا المضارع هو نفس الجواب ؛ لكنه على تقدير فاء الربط ، وكأن الشاعر قد قال : إن أتاه خليل يوم مسألة فهو يقول لا غائب مالي - الخ ؛ وقد وافق أبو العباس ذلك مذهب الكوفيين وأبي زيد ؛ وقد رجحه العلامة موفق الدين بن يعيش ؛ قال « فسيبويه يتأوله على إرادة التقديم ، كأن المعنى : يقول إن أتاه خليل ، وقد استضعف ؛ والجيد أن يكون على إرادة الفاء ، فكأنه قال : فيقول » اه . [ 403 ] هذا البيت لزهير بن مسعود ، وقد أنشده ابن منظور في لسان العرب ( غ س س ) وقد أنشده ابن جني في الخصائص ( 2 / 388 ) وأبو زيد في النوادر ( ص 7 ) ثاني بيتين ، والغسّ - بضم الغين وتشديد السين المهملة - الضعيف اللئيم من الرجال ، وجمعه أغساس وغساس - بوزن رجال - وغسوس ، وقال ابن الأعرابي : هم الضعفاء في آرائهم وعقولهم ، والمغمر - بضم الميم الأولى وتشديد الثانية مفتوحة - هو الذي لم يجرب الأمور والناس يستجهلونه ، ومثله الغمر - بفتح أوله وثانيه ساكن أو مفتوح أو مكسور ، وبضم أوله مع سكون ثانيه - وقال ابن سيده : هو من لا غناء عنده ولا رأي ، وقال ابن الأثير : هو الجاهل الغرّ الذي لم يجرب الأمور . ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله « فلم أرقه إن ينج منها » حيث قدم ما يصلح أن يكون جوابا على أداة الشرط ، ألا ترى أنه لو قال « إن ينج منها فلم أرقه » لصح الكلام ، فتقديم الشاعر ما يصلح أن يكون جوابا يدل على أن هذا هو موضعه من الكلام ، فيكون قول زهير « يقول لا غائب - الخ » وقول جرير البجلي « تصرع » متقدما في النية وإن تأخر في اللفظ ، وهذا يؤيد ما ذهب إليه سيبويه رحمه اللّه من أن الفعل المتأخر عن أداة الشرط وفعل الشرط إذا كان غير مجزوم فهو على نية التقديم ، من قبل أن هذا هو الموضع الأصلي له ، فاعرف ذلك وتنبه له ، فأما البصريون فلا يرون ذلك ، ويجعلون المتقدم دليلا على الجواب ، وليس هو نفس الجواب تقدم ، لأن الجواب مجزوم بالشرط ، وقد تكرر أن عامل الجزم ضعيف ، ومن آثار ضعفه ألا يتقدم معموله عليه .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 513 | أبو البركات بن الأنباري