تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
فخفض « القطر » على الجوار ، وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعا ؛ لأنه معطوف
شرح
- الذي تقدم في المسألة 54 ( وانظر الديوان 86 - 87 ) ورواية الأعلم « لعب الزمان بها - الخ » والسوافي : جمع سافية ، وتطلق على الريح التي تسفي التراب ، ويقال أيضا على التراب الذي تسفيه الرياح ، أي تذروه وتطيره وتهيجه ، والمور - بضم الميم - هو التراب ، والقطر - بفتح القاف وسكون الطاء - هو المطر ، والاستشهاد بهذا البيت في قوله « والقطر » فإنه مجرور بدليل أن روي هذه القصيدة مجرور ، فيسبق إلى الوهم أنه معطوف على « المور » لأنه هو المجرور بإضافة سوافي إليه ، ولو عطف على المور للزم أن يكون معمولا لسوافي ، لأن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه ، ويلزم أن يكون تقدير الكلام : سوافي المور وسوافي القطر ، ومراد الشاعر أن الذي غير هذه الديار شيئان : أحدهما : الرياح التي تسفي عليها التراب ، وثانيهما : المطر ، وهذا المعنى لا يتأدى إلا بأن يكون « القطر » معطوفا على سوافي مع أنه ليس للمطر سوافي ، فيكون مرفوعا في التقدير ، وجره لمجاورته المجرور ، فتقول : القطر معطوف على سواف ، والمعطوف على المرفوع مرفوع ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة . والجر على الجوار واقع في العربية في بابي العطف والنعت - وزاد قوم في باب التوكيد أيضا - فأما باب العطف فمنه هذا البيت ، ومنه قول الآخر :كم قد تمششت من قصّ وإنفحة * جاءت إليك بذاك الأضؤن السودتقول : تمششت العظم ؛ إذا مصصت أطرافه ، والقصّ - بفتح القاف - عظام الصدر ، أو رأس الصدر ، والإنفحة - بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الفاء - كرش الحمل أو الجدي إذا كان لم يأكل ، فإذا أكل فهو كرش ، فقول الشاعر « وإنفحة » لا يجوز أن يكون معطوفا على « قص » لأنه لو كان معطوفا على قص لكان قوله تمششت عاملا فيه ، وقد علمت أن التمشش خاص بمصّ العظم ، والإنفحة ليست عظما ، فوجب أن يكون قوله « إنفحة » مفعولا به لفعل محذوف ، وتقدير الكلام : كم تمششت من عظم وأكلت إنفحة ، ويكون إنفحة منصوبا بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة . وأما الجرّ على الجوار في باب النعت فمن شواهده قولهم « هذا جحر ضب خرب » - بجر خرب مع أنه نعت للجحر المرفوع ؛ فخرب مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة ، ونظيره قول امرئ القيس في معلقته :كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزملثبير : اسم جبل ، شبهه بكبير قوم مزمل في بجاد ، فمزمل : نعت لكبير المرفوع على أنه خبر كأن ، والرواية بجر مزمل بدليل رويّ القصيدة كلها ، فهو مرفوع تبعا لموصوفه وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة . ونظيره قول دريد بن الصمة :فجئت إليه والرياح تنوشه * كوقع الصياصي في النسيج الممدد فدافعت عنه الخيل حتى تبددت * وحتى علاني حالك اللون أسودفأسود صفة لحالك اللون ، وأسود مجرور بدليل الرويّ ، وحالك اللون : مرفوع لأنه فاعل -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 494 | أبو البركات بن الأنباري