تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
أراد « كيما أخافه » إلا أنه أدخل اللام توكيدا ، ولهذا المعنى كان الفعل منصوبا فهذه الأشياء كلها تدل على صحة ما ذهبنا إليه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنه لا يجوز النصب بها ؛ لأن الكاف في « كما » كاف التشبيه أدخلت عليها « ما » وجعلا بمنزلة حرف واحد كما أدخلت على ربّ وجعلا بمنزلة حرف واحد ، ويليها الفعل كربما ، وكما أنهم لا ينصبون الفعل بعد ربما فكذلك هاهنا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما البيت الأول فلا حجّة لهم فيه ؛ لأنه روي « كما أخفّرها » بالرفع ؛ لأن المعنى جاءت كما أجيئها ، وكذلك رواه الفرّاء من أصحابكم ، واختار الرّفع في هذا البيت ، وهو الرواية الصحيحة . وأما البيت الثاني فلا حجّة فيه أيضا ؛ لأن الرواية :
* لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر * [ 380 ]
وأما البيت الثالث فلا حجة فيه أيضا ؛ لأن الرواية فيه بالتوحيد :
* لا تظلم النّاس كما لا تظلم * [ 381 ]
كالرواية الأخرى :
* لا تشتم النّاس كما لا تشتم * [ 381 ]
وأما البيت الرابع فليس فيه حجة أيضا ؛ لأن الرواة اتفقوا على أن الرواية [ 245 ] « كما يوما تحدثه » بالرفع كقول أبي النجم : [ 384 ]
قلت لشيبان : ادن من لقائه * كما تغدّي القوم من شوائه
شرح
- بكما التي هي في الأصل كيما . ونقول : إن هذا البيت لا يصلح لاستدلال الكوفيين أصلا ، وذلك من عدة وجوه : الأول : ما ادّعاه المؤلف من أن الرواية على غير هذا الوجه وأنها « لكيما أخافه » وإن كنا لا نقر المؤلف على هذا ، والثاني : أنه بعد تسليم صحة روايتهم يكون النصب باللام في قوله « لأخافه » لأنها لام التعليل وهي عندهم ناصبة بنفسها ، أو بأن المضمرة بعد لام التعليل على ما هو مذهب البصريين ، والقول بزيادة هذه اللام لا دليل عليه ، والوجه الثالث : أنهم - أي الكوفيين - يقولون : إن كي لا تكون إلا مصدرية مثل أن ، فمجيء اللام بعدها في مثل هذا الشاهد ينقض هذه المقالة ؛ لأننا لو جعلنا اللام توكيدا لكي لم يصح لاختلاف معناهما حينئذ ، إذ أن كي مصدرية واللام للتعليل ، ولو جعلنا اللام بدلا من كي كانت كما في حكم الساقط من الكلام لأن المبدل منه على نية الطرح من الكلام ، ويكون العمل للبدل الذي هو اللام ، فيتعين عندهم أن تعتبر زائدة ، وهذا ما لم يقم عليه دليل . [ 384 ] هذان بيتان من الرجز المشطور ، وهما من شواهد سيبويه ( 1 / 460 ) وقد نسبهما إلى أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي ، وقد أقر الأعلم هذه النسبة ، قال سيبويه ( 1 / 459 ) : -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 482 | أبو البركات بن الأنباري