تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
أراد « كيما أخفرها » ولهذا المعنى انتصب « أخفرها » وقال الآخر : [ 380 ]
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه * كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر
أراد « كيما يحسبوا » وقال الآخر : [ 381 ]
* لا تظلموا النّاس كما لا تظلموا *
شرح
- « كما » أصلها « كيما » فحذفت الياء للتخفيف ، وقال ابن مالك : « كما » مؤلفة من الكاف الجارة ومعناها التعليل ، ومن ما الكافة ، ونصب المضارع بعد « كما » بالكاف الدالة على التعليل حملا لها على « كي » لأن معناها كمعناها ، وهما رأيان متقاربان ، غير أن رأي أبي علي الفارسي أدقّ ؛ فإن كون الكاف ناصبة لكونها بمعنى كي بعيد ، ومما يبعده أن الكاف من عوامل الأسماء فكيف تكون من عوامل الأفعال ؟ [ 380 ] هذا البيت من شواهد ابن هشام في مغني اللبيب ( رقم 295 ) والأشموني ( رقم 1002 ) وهو من شواهد شراح الألفية ، وقد شرحه العيني ( 4 / 407 بهامش الخزانة ) وهو البيت التاسع والخمسون من رائية عمر بن أبي ربيعة الطويلة ( د 84 - 95 بتحقيقنا ) وذكر العلامة الأمير في حواشيه على مغني اللبيب أنه وجد البيت في قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة . والطرف - بفتح فسكون - أراد به العين ، وإما : مركبة من إن الشرطية ، وما المؤكدة ، واصرفنه : أراد حوله إلى جهة أخرى غير جهتنا ، ومحل الاستشهاد بالبيت هنا قوله « كما يحسبوا » فإن الكوفيين ذهبوا إلى أن « كما » مثل « كيما » ويجوز أن ينصب الفعل المضارع بعدها على تقدير أن « ما » زائدة غير كافة ، ويجوز أن يرفع بعدها على تقدير أن ما زائدة كافة ، وقد جاء هذا البيت بالنصب على الوجه الأول . وقد زعم أبو محمد الأسود في كتابه المسمى « نزهة الأديب » أن أبا علي الفارسي حرّف هذا البيت ، وأن الصواب روايته على هذا الوجه :إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا * لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظرويقول أبو رجاء : إن الرواية في ديوان عمر بن أبي ربيعة على ما قال أبو محمد الأسود ، ومع هذا لا أرى لك أن تقبل الطعن في أبي علي الفارسي بأنه صحف البيت ليستشهد به ؛ فإن الروايات تكثر في الشعر العربي ، وكل راو يعتمد إحدى الروايات ويعول عليها ، وقد أسمعناك كلاما مثل كلام أبي محمد في روايات وردت في كتاب سيبويه وقال العلماء بصدد ذلك : إن سيبويه غير متهم فيما يرويه بعد أن يسمعه من أفواه العرب ، وإنه لا بدّ أن يكون قد سمع الرواية التي حكاها في كتابه ، والشواهد على هذه المسألة كثيرة ، وقد ذكر المؤلف منها جملة فما يدعو أبا علي إلى أن يحرّف بيتا ليستشهد به وفي غيره من الشعر الثابت مندوحة ؟ بل إن رواية أبي محمد الأسود وهي رواية ديوان عمر تؤيد المذهب الذي رآه أبو علي الفارسي الذي خلاصته أن أصل « كما » هو كيما ، فقد أنبأتك غير مرة أن البيت إذا روي بروايتين أو أكثر ووضعت في إحدى الروايتين كلمة في مكان كلمة في الرواية الأخرى دل ذلك على أن الكلمتين بمعنى واحد ، لأن الراوي العارف بالعربية لا يضع الكلمة مكان الكلمة إلا وهو على ثقة من أن معناهما واحد ، لأنه يريد أن يؤدي المعنى الذي فهمه من الكلام ، فاعرف ذلك وكن منه على ثبت . [ 381 ] هذا البيت من شواهد رضي الدين في باب نواصب المضارع من شرح الكافية ، وشرحه -