فأكد « غير » بلا ؛ لاتفاقهما في المعنى ، ولهذا قلنا : إن العمل لكي ، وأن لا عمل لها ؛ لأنها دخلت توكيدا لها ، وكذلك أيضا قلنا : إن العمل للام في قولك « جئت لكي أن أكرمك » لأن كي وأن تأكيدان للام ، ولا يبعد في كلامهم مثل ذلك ؛ فقد قالوا : لا إن ما رأيت مثل زيد ، فجمعوا بين ثلاثة أحرف من حروف الجحد للمبالغة في التوكيد ، فكذلك هاهنا .
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إظهار « أن » بعد « لكي » لا يخلو : إما أن تكون لأنها قد كانت مقدرة فجاز إظهارها بعد الإضمار ، وإما أن تكون مزيدة ابتداء من غير أن تكون قد كانت مقدرة ، بطل أن يقال « إنها قد كانت مقدرة » لأن « لكي » تعمل بنفسها ، ولا تعمل بتقدير « أن » ولو كانت تعمل بتقدير « أن » لكان ينبغي إذا ظهرت « أن » أن يكون العمل لأن دونها ، فلما أضيف العمل إليها دل على أنها العامل بنفسها ، لا بتقدير أن ، وبطل أن يقال إنها تكون مزيدة ابتداء ؛ لأن ذلك ليس بمقيس فيفتقر إلى توقيف عن العرب ، ولم يثبت عنهم في ذلك شيء ، فوجب أن لا يجوز ذلك .
ومنهم من تمسّك بأن قال : إنما لم يجز إظهار « أن » بعد كي وحتى ؛ لأن كي وحتى صارتا بدلا من اللفظ بأن ، كما صارت « ما » بدلا عن الفعل في قولهم : أمّا أنت منطلقا انطلقت معك ، والتقدير فيه : أن كنت منطلقا انطلقت معك ، فحذف الفعل وجعلت « ما » عوضا عنه ، وكما لا يجوز أن يظهر الفعل بعد « ما » لئلا يجمع بين البدل والمبدل ؛ فكذلك هاهنا .
وأما الجواب [ 243 ] عن كلمات الكوفيين : أما البيت الذي أنشدوه فلا حجّة لهم فيه من ثلاثة أوجه :
أحدها : أن هذا البيت غير معروف ، ولا يعرف قائله ؛ فلا يكون فيه حجّة « 1 » .
شرح
- الغليظ ، والعصف ومثله الاعتصاف : الطلب والحيلة ، تقول : عصف فلان يعصف عصفا - من مثال ضرب يضرب ضربا - واعتصف ، تريد أنه كسب وطلب واحتال وكد ، وتقول :
اصطرف فلان في طلب الكسب ، إذا تصرف وكان ذا حيلة . وقد أنشد المؤلف هذا البيت على لسان الكوفيين ليقرر أن الكلمتين إذا كان معناهما واحدا جاز أن تؤكد إحداهما بالأخرى كما أكد الراجز « غير » بلا في هذا الرجز أو كما تقع أن المصدرية بعد كي المصدرية فتكون أن توكيدا لكي ، وهذا ظاهر بعد أن ذكرنا مذهبهم مفصلا في شرح الشاهد السابق .
هامش
( 1 ) لا نرى لك أن تقر هذا - لا في هذا الموضع ولا في غيره ، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين - فكم من الشواهد التي يستدل بها هؤلاء وهؤلاء وهي غير منسوبة ولا لها سوابق أو لواحق ، وفي كتاب سيبويه وحده خمسون بيتا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معين .