كي الناصبة وكي الجارة في المعنى ؛ على أن كونها في معنى كي الناصبة لا يخرجها عن كونها حرف جر ، فإنه قد يتفق الحرفان في المعنى وإن اختلفا في العمل ، ألا ترى أن اللام في قولك « جئت لإكرمك » بمعنى كي في قولك « جئت كي أكرمك ، ولكي أكرمك » وإن كانت اللام حرف جر ، وكي حرف نصب ، ولم تخرج بذلك عن كونها حرف جر ، فكذلك هاهنا .
فإن قلتم : إن اللام هاهنا دخلت على الاسم الذي هو مصدر ؛ فلم تخرج عن كونها حرف جر .
قلنا : وكذلك اللام هاهنا دخلت على الاسم الذي هو مصدر ؛ لأن « أن » المقدرة مع الفعل في تقدير المصدر ؛ فقد دخلت على الاسم ، ولا فرق بينهما .
وأما قولهم « إنها تفيد معنى الشرط فأشبهت إن المخففة الشرطية » قلنا : لا نسلم أنها تفيد الشرط ، وإنما تفيد التعليل ، ثم لو كان كما زعمتم لكان ينبغي أن تحمل عليها في الجزم ؛ فيجزم باللام كما يجزم بأن ؛ لأجل المشابهة التي بينهما .
قولهم « إنّ إن لما كانت أمّ الجزاء أرادوا أن يفرقوا بينهما » قلنا : فهلّا رفعوا ؟
قولهم « إنّ الرفع يبطل مذهب الشرط » قلنا : فكان ينبغي أن لا ينصب أيضا ؛ لأن النصب أيضا يبطل مذهب الشرط !
وقولهم « إن الفعل المضارع يرتفع لخلوّه من حرف الشرط وغيره من العوامل الناصبة [ 241 ] والجازمة » قلنا : قد بيّنا فساد ما ذهبوا إليه من ارتفاع الفعل المضارع بتعرّيه من العوامل الناصبة والجازمة في موضعه بما يغني عن الإعادة .
وأما قولهم « إنها لو كانت لام الجر لجاز أن يقال : أمرت بتكرم ، على معنى أمرت بأن تكرم » قلنا : هذا فاسد ، وذلك لأن حروف الجر لا تتساوى ؛ فإن اللام لها مزية على غيرها ؛ لأنها تدخل على المصادر التي هي أغراض الفاعلين ، وهي شاملة يحسن أن يسأل بها عن كل فعل فيقال : لم فعلت ؟ لأن لكل فاعل غرضا في فعله ، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه ؛ وكي وحتى في ذلك المعنى ، ألا ترى أنك تقول : مدحت الأمير ليعطيني ، وحتى يعطيني ، وكي يعطيني ؛ فجاز أن تقدر بعدها « أن » وليست الباء كذلك ؛ فلا يجوز أن تقدر .
وقولهم « إنّا نسلم أنها من عوامل الأسماء ؛ إلا أنها من عوامل الأفعال في بعض أحوالها ، بدليل أنها تجزم الأفعال في قولهم : ليقم زيد » قلنا : إذا سلمتم أنها من عوامل الأسماء بطل أن تكون من عوامل الأفعال ؛ لأن العامل إنما كان عاملا لاختصاصه ، فإذا بطل الاختصاص بطل العمل .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 471
مساهمون: أبو البركات بن الأنباري
ص٤٧١