تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
تكرم ، فلما لم يجز ذلك بالإجماع دل على فساده ، على أنّا وإن سلمنا أنها من عوامل الأسماء إلا أنها عامل من عوامل الأفعال في بعض أحوالها ، والدليل على هذا أنها تجزم الأفعال في غير هاتين الحالين ، في الأمر والدعاء ، نحو « ليقم زيد ، وليغفر اللّه لعمرو » فكما جاز أن تعمل في بعض أحوالها في المستقبل جزما جاز أيضا أن تعمل في بعض أحوالها فيه نصبا . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن الناصب للفعل « أن » المقدرة دون اللام ، وذلك لأن اللام « 1 » من عوامل الأسماء ، وعوامل الأسماء لا يجوز أن تكون عوامل الأفعال ؛ فوجب أن يكون الفعل منصوبا بتقدير « أن » . وإنما وجب تقدير « أن » دون غيرها لأن « أن » يكون مع الفعل بمنزلة المصدر الذي يحسن أن يدخل عليه حرف الجر ، وهي أم الباب ، فكان تقديرها أولى من غيرها ؛ ولهذا إن شئت أظهرتها بعد اللام ، وإن شئت أضمرتها ، كما يجوز إظهار الفعل وإضماره بعد « إن » في قولهم « إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر » وإنما حذفت هاهنا بعد اللام وكذلك بعد الواو والفاء تخفيفا ، والحذف للتخفيف كثير في كلامهم ؛ ولهذا يذهبون إلى أنه حذفت لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المواجه طلبا للتخفيف ، وقد حكى هشام بن معاوية عن الكسائي أنه حكى عن العرب « لا بدّ من يتبعها » أي : لا بد من أن يتبعها ؛ فحذف « أن » فكذلك هاهنا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إنما قلنا إنها هي الناصبة ؛ لأنها قامت مقام [ 240 ] كي ، وكي تنصب ، فكذلك ما قام مقامها » قلنا : لا نسلم أن كي تنصب بنفسها على الإطلاق ، وإنما تنصب تارة بتقدير « أن » لأنها حرف جر ، وتارة تنصب بنفسها ، وليس حملها على إحدى الحالين أولى من الأخرى ، بل حملها عليها في الحالة التي تنصب الفعل فيه بتقدير « أن » أولى من حملها عليها في الحالة التي تنصب الفعل بنفسها ؛ لأنها في تلك الحالة التي تنصب الفعل بتقدير « أن » حرف جر كما أن اللام حرف جر ، وفي الحالة التي تنصب الفعل بنفسها حرف نصب ، وحمل حرف الجر على حرف الجر أولى من حمل حرف الجر على حرف النصب ، فكما أن « كي » في هذه الحالة تنصب الفعل بتقدير « أن » فكذلك اللام ينبغي أن تنصبه بتقدير أن . وقولهم « إنها تشتمل على معنى كي » قلنا : كما أنها تشتمل على معنى كي ، إذا كانت ناصبة ، فكذلك تشتمل على معنى كي إذا كانت جارة ؛ فإنه لا فرق بين
هامش
( 1 ) في ر « عاملة من عوامل الأفعال » وليس بذاك .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 470 | أبو البركات بن الأنباري