تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
وإنما حذفت مع حرف الجر لأنها صارت مع حرف الجر بمنزلة كلمة واحدة ، فحذفت الألف منها للتخفيف ، ودخلها هاء السكت صيانة للحركة عن الحذف ، فصار : كيمه ، ولمه ، وبمه ، وفيمه ، وعمه ، وقد يجوز أن يكونوا أبدلوا [ 237 ] الهاء من الألف في « ما » كما أبدلوها من الألف في أنا فقالوا « أنه » وفي حيهلا فقالوا « حيهله » وقول الكوفيين « إن مه في موضع نصب » فسنبين فساده في الجواب إن شاء اللّه تعالى . أما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن كي من عوامل الأفعال ؛ فلا يجوز أن تكون من عوامل الأسماء » قلنا : هذا الحرف من عوامل الأفعال في كل الأحوال ، أو في بعض الأحوال ؟ فإن قلتم في كل الأحوال فلا نسلم ، وإن قلتم في بعض الأحوال فنسلم ، وهذا لأن كي على ضربين ؛ أحدهما : أن تكون حرف نصب من عوامل الأفعال كما ذكرتم ، وذلك إذا دخلت عليها اللام كقولك « جئتك لكي تكرمني » كما قال تعالى :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
[ الحديد : 23 ] فكي هاهنا هي الناصبة بنفسها من غير تقدير أن ، ولا يجوز أن تكون هاهنا حرف جر ؛ لأن حرف الجرّ لا يدخل على حرف الجرّ ، وهذا لا إشكال فيه ، والثاني : أن تكون حرف جر كاللام نحو « جئتك كي تكرمني » فهذه كي حرف جر بمنزلة اللام ، والفعل بعدها منصوب بتقدير « أن » كما هو منصوب بعد اللام بتقدير « أن » وحذفت فيهما طلبا للتخفيف . والذي يدلّ على أنها بمنزلة اللام أنها في معنى اللام ، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك « جئتك كي تكرمني » وبين قولك « جئتك لتكرمني » وإذا كانا بمعنى واحد فلا معنى لترك الظاهر لشيء لم يقم عليه دليل ؛ فدل على أنها تكون حرف جر كما تكون حرف نصب ، فإذا ذهبت بها مذهب حرف الجر لم تتوهم فيه غيره ، وإذا ذهبت بها مذهب حرف النصب لم تتوهم فيه غيره ؛ فهي وإن كانت حرفا واحدا فقد نزلت منزلة حرفين ، وصار هذا كما قلتم في « حتى » فإنها تنصب الفعل في حال من غير تقدير ناصب ، وتخفض الاسم في حال من غير تقدير خافض ، على الصحيح المشهور من مذهبكم ، ولم يمنع كونها ناصبة للفعل أن تكون خافضة للاسم ، فكذلك هاهنا ، وكذلك أيضا « حتى » تكون خافضة وتكون عاطفة ، وكذلك قلتم إن « إلّا » تكون ناصبة وتكون عاطفة ، وكذلك « حاشى » و « خلا » تكونان ناصبين وخافضين ، واللفظ فيها كلها واحد ، والعمل مختلف ، فكذلك هاهنا . وأما قولهم : « إن مه في موضع نصب » قلنا : هذا باطل ؛ لأنها لو كانت [ 238 ] ما في موضع نصب لكان ينبغي أن لا يحذف الألف من ما ؛ لأنها لا يحذف