تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
أي : أنا لا أقبل منك . ثم لو قلنا إن الكاف هاهنا زائدة لما امتنع ؛ لأن دخول الكاف هاهنا كخروجها ، ألا ترى أن معنى « ليس كمثله شيء » ومعنى « ليس مثله شيء » واحد . وكذلك الكاف في قوله : كهيّن ، وقول الراجز :
* لواحق الأقراب فيها كالمقق * [ 184 ]
بخلاف الكاف في « كم » فإن الكاف في كم ليس دخولها كخروجها ، بل لو قدّرنا حذفها من الكلام لاختلّ معناها ولم تحصل الفائدة بها ، ألا ترى أن قولك « ما مالك » لا يفيد ما يفيد قولك « كم مالك » فدلّ على الفرق بينهما ، واللّه أعلم .
شرح
- بصفاتك ، وقد جرت عادة العرب في كلامهم أنهم يكنون بهذه العبارة عن معنى « أنا لا أقبل منك » قال ابن هشام في المغني ( ص 179 ) : « ولأنهم إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد قالوا « مثلك لا يفعل كذا » ومرادهم إنما هو النفي عن ذاته ، ولكنهم إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه » اه . وقال الخطيب القزويني في الإيضاح ( ص 325 بتحقيقنا ) وهو يمثل للكناية : « وكقولهم مثلك لا يبخل . قال الزمخشري : نفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ؛ لأنهم إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه » وأقول : إن العرب تسلك سبيل الكناية بلفظ مثل ولفظ غير فيقولون : مثلك يرعى الحق ، ومثلك يعرف الفضل لذويه ، ومثلك لا يغضي على القذى ، ومثلك يؤدي الواجب ، ومنه قول الشاعر :مثلك يثني المزن عن صوبه * ويسترد الدمع من غربهوقالوا : غيري يخوف بالتهديد ، وغيري يقنع باليسير ، وغيري يفعل كذا ، وهم يريدون أنا لا أخوف بالتهديد ، وأنا لا أقنع باليسير ، وأنا لا أفعل كذا ، ومنه قول الشاعر وهو المتنبي :غيري بأكثر هذا الناس ينخدع * إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعواوكذلك قول الآخر ، وهو أبو تمام :وغيري يأكل المعروف سحتا * وتشحب عنده بيض الأياديوقد سبقهما إلى مثل ذلك عنترة بن شداد العبسي في قوله :سواي يهاب الموت أو يرهب الردى * وغيري يهوى أن يعيش مخلداوهذا أبلغ من أن يقول : أنا لا أهاب الموت ، وأنا لا آكل المعروف سحتا ، وأنا لا أنخدع بأكثر الناس ، أما أن المراد بهذا الكلام ما ذكرناه فقد أوضحه الشاعر في قوله :ولم أقل مثلك أعني به * سواك ، يا فردا بلا مشبهوأما أنه أبلغ مما لو صرحت بالضمير المنفصل وحذفت المثل والغير فلأنه كناية ، والكناية - كما هو مقرر - أبلغ من التصريح ؛ لأنها تساوي عند التحقيق ذكرى الدعوى مع إقامة البينة عليها .