تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
أي : المقق ، وهو الطّول . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنها مفردة لأن الأصل هو الإفراد ، وإنما التركيب فرع ، ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بالدليل ، ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل ؛ لعدوله عن الأصل ، واستصحاب الحال أحد الأدلة المعتبرة . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إن الأصل في كم ما زيدت عليها الكاف » قلنا : لا نسلم ؛ فإن هذا مجرد دعوى من غير دليل ولا معنى . قولهم « إن العرب قد تصل الحرف في أوله نحو هذا » فقد قدمنا الجواب عنه فيما سبق . وأما قولهم « كان الأصل أن يقال في كم مالك : كما مالك ، إلا أنه لما كثر في كلامهم وجرى على ألسنتهم حذفت الألف لكثرة الاستعمال وسكنت الميم ، كما فعلوا ذلك في لم » قلنا : لا نسلم أنه يجوز إسكان الميم في « لم » في اختيار الكلام ، وإنما يجوز ذلك في الضرورة ؛ فلا يكون فيه حجة ، قال الشاعر :
[ 135 ] * يا أبا الأسود لم أسلمتني * [ 131 ]
وكما قال الآخر :
يا أسديّ لم أكلته لمه * [ 183 ]
فسكن « لم » للضرورة ، تشبيها لها بما يجيء من الحروف على حرفين الثاني منهما ساكن ؛ فلا يكون فيه حجة . ثم لو كان الأمر كما زعمتم وأن كم كلم لوجب أن يجوز فيها الأصل كما يجوز الأصل في لم فيقال : كما مالك ، كما يقال : لما فعلت ، وأن يجوز فيها الفتح مع حذف الألف كما يجوز في لم فيقال : كم مالك ، كما يجوز لم فعلت ، وأن يجوز فيها هاء الوقف فيقال : كمه ، كما يجوز في لم هاء الوقف فيقال : لمه ؛ فلما لم يجز ذلك دل على الفرق بينهما . وأما قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فلا نسلم أن الكاف فيه زائدة ؛ لأن ( مثله ) هاهنا بمعنى هو ، فكأنه قال ليس [ ك ] هو شيء ، والمثل يطلق في كلام العرب ويراد به ذات الشيء ، يقول الرجل منهم : مثلي لا يفعل هذا ، أي : أنا لا أفعل هذا ، ومثلي لا يقبل من مثلك ، أي : أنا لا أقبل منك ، قال الشاعر : [ 185 ]
يا عاذلي دعني من عذلكا * مثلي لا يقبل من مثلكا
شرح
[ 185 ] العاذل : الذي يلوم في تسخط وكراهية لما يلومك فيه ، ودعني : اتركني وقوله « مثلي لا يقبل من مثلك » أصل معناه : من كان متصفا بصفاتي فإنه لا يقبل ممن كان متصفا -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 245 | أبو البركات بن الأنباري