تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وأما البصريون فاحتجّوا بأن قالوا : إنما قلنا ذلك لأنهم ما استعملوه في اختيار الكلام إلا ظرفا ، نحو قولهم « مررت بالذي سواك » فوقوعها هنا يدل على ظرفيتها بخلاف غير ، ونحو قولهم « مررت برجل سواك » أي مررت برجل مكانك ، أي : يغني غناءك ويسدّ مسدّك ، وقال لبيد : [ 182 ]
وابذل سوام المال إ * نّ سواءها دهما وجونا
فنصب سواءها على الظرف ، ونصب « دهما » بإنّ ، كقولك : إن عندك رجلا قال اللّه تعالى :
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا
[ المزمل : 12 ] والجون هاهنا : البيض ، وهو جمع جون ، وهو من الأضداد ، يقع على الأبيض والأسود ، ولو كانت مما يستعمل اسما [ 133 ] لكثر ذلك في استعمالهم ، وفي عدم ذلك دليل على أنها لا تستعمل إلا ظرفا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما ما أنشدوه من قول الشاعر :
* إذا جلسوا منا ولا من سوائنا * [ 178 ]
وقول الآخر :
* وما قصدت من أهلها لسوائكا * [ 179 ]
فإنما جاز ذلك لضرورة الشعر ، وعندنا أنه يجوز أن تخرج عن الظرفية في ضرورة الشعر ، ولم يقع الخلاف في حال الضرورة ، وإنما فعلوا ذلك واستعملوها
شرح
[ 182 ] هذا البيت من كلام لبيد بن ربيعة العامري ، وسوام المال - بفتح السين والواو جميعا - الذي يرعى حيث شاء لا يمنعه أحد ، وهي أيضا سائمة ، وقد سامت تسوم ، وأسامها صاحبها ، وقال اللّه تعالى :فِيهِ تُسِيمُونَوالدهم : جمع الأدهم وهو الذي لونه الدهمة - بالضم - وهي السواد وتكون الدهماء والدهم خيار الخيل والإبل عندهم ، والجون - بضم الجيم - جمع جون بفتحها ، وهو الأسود ، وهو أيضا الأبيض ، ويقال : كل بعير جون من بعيد ، وكل لون سواد مشرب حمرة فهو جون . والاستشهاد بالبيت في قوله « إن سواءها دهما وجونا » حيث استعمل « سواء » ظرفا متعلقا بمحذوف يقع خبرا لأن مقدما على اسمها ، و « دهما » اسم إن تأخر عن خبرها ، ولو أنه لم يستعمل سواء ظرفا لنصبه على أنه اسم إن ورفع ما بعده ؛ وذلك لأن اسم إن لا يتأخر عن خبرها إلا أن يكون الخبر ظرفا نحو قوله تعالى :إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماًأو جارا ومجرورا نحو قوله سبحانه :وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً . *وأنت خبير - بعد الذي قررناه لك - أن الكوفيين لا يمانعون في أن تستعمل « سواء » بجميع لغاتها ظرفا ، ولكنهم يقررون أنها كما تكون ظرفا تكون غير ظرف وتقع في جميع مواقع الإعراب متأثرة بالعوامل ؛ فهذا الشاهد وغيره وآلاف الشواهد التي استعملت سواء فيها ظرفا لا تنقض مذهبهم ، فتنبه لذلك واللّه يعصمك .