تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
فأدخل عليها حرف الخفض ، وقال الشاعر : [ 179 ]
تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا
فأدخل عليها لام الخفض ؛ فدل على أنها لا تلزم الظرفية ، وقال أبو دؤاد : [ 180 ]
وكلّ من ظنّ أن الموت مخطئه * معلّل بسواء الحقّ مكذوب
وقال الآخر : [ 181 ]
أكرّ على الكتيبة لا أبالي * أفيها كان حتفي أم سواها
فسواها : في موضع خفض بالعطف على الضمير المخفوض في « فيها » والتقدير : أم في سواها . والذي يدلّ على ذلك أنه روي عن بعض العرب أنه قال « أتاني سواؤك » فرفع ؛ فدلّ على صحة ما ذهبنا إليه .
شرح
[ 179 ] هذا البيت من شواهد سيبويه ( 1 / 13 ) وقد نسبه إلى الأعشى ، وكذلك نسبه الأعلم الشنتمري ، وأنشده ابن منظور ( س وى ) وهو من شواهد الرضي في باب الاستثناء ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( 2 / 59 ) وقوله « تجانف » هو فعل مضارع ، وأصله تتجانف ، فحذف إحدى التاءين ، والتجانف : الانحراف ، وصف أنه لا يعدل في قصده على غير هذا الممدوح ، وجعل الفعل للناقة مجازا . والاستشهاد بالبيت في قوله « لسوائكا » حيث أتى بسواء متأثرة بالعامل الذي هو لام الجر ، فدل ذلك على أنها تخرج عن النصب على الظرفية إلى الوقوع في مواقع الإعراب المختلفة ، على نحو ما بيّناه في شرح البيت السابق . [ 180 ] هذا البيت من كلام أبي دؤاد - كما قال المؤلف - واسم أبي دؤاد جويرية بن الحجاج ، ويقال : جارية بن الحجاج ، وهو من شواهد الأشموني ( رقم 455 ) وقوله « مخطئه » هو اسم الفاعل من قولك « أخطأك كذا » أي فاتك ولم يصبك ، وفي الحديث « واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك » وقوله « معلل » هو اسم المفعول من قولك « عللت فلانا بكذا » إذا شغلته ولهيته به عن شيء يرغب فيه ، وسواء الحق : أي غيره ، والاستشهاد به في قوله « بسواء الحق » حيث أتى بكلمة « سواء » متأثرة بالعامل الذي هو باء الجر ، وهو دليل للكوفيين على أنها لا تلزم النصب على الظرفية كما يقول سيبويه والخليل ، وقد بيّنا ذلك في شرح الشاهد 178 . [ 181 ] أكر : أي أرجع ، يريد أنه يقدم ولا يفر ، والكتيبة : الجماعة من الجيش ، والحتف - بفتح الحاء وسكون التاء المثناة - الموت والهلاك . وقد أنشد الكوفيون هذا البيت دليلا على أن « سوى » تخرج عن النصب على الظرفية إلى التأثر بالعوامل ، وذلك أنهم أعربوا « سوى » معطوفا على الضمير المجرور محلا بفي في قوله « أفيها » وتقدير الكلام عندهم : أفي هذه الكتيبة كان هلاكه أم في كتيبة أخرى ، ولم يرتض المؤلف هذا الإعراب مع أنه هو المتبادر ، وجعل « سوى » منصوبا على الظرفية كما هو مبين في كلامه .