تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
تمشّي بها الدّرماء تسحب قصبها * كأن بطن حبلى ذات أونين متئم
فيمن روى بالرفع ، ومن روى بالجر جعل « أن » زائدة ، ومن روى بالنّصب أعملها مع التخفيف . ومن كلامهم « أول ما أقول أن بسم اللّه » كأنهم قالوا : أنه بسم اللّه ، وقال تعالى :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
[ طه : 89 ] كأنه قال : أنه لا يرجع إليهم قولا ، إلّا أنها لا تخفف مع الفعل إلا مع أحد أربعة أحرف ، وهي : لا ، وقد ، وسوف ، والسّين ، كقوله تعالى :
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى
[ المزمل : 20 ] وكذلك : « علمت أن سوف يخرج زيد ، وعلمت أن قد خرج عمرو » ، قال أبو صخر الهذلي : [ 126 ]
فتعلّمي أن قد كلفت بكم * ثمّ افعلي ما شئت عن علم
ولا تخفّف من غير واحد من هذه الأحرف ؛ لأنهم جعلوها عوضا مما لحق « أن » من التغيير ، وكان التعويض مع الفعل أولى من الاسم ، وذلك لأن « أن » لحقها مع الاسم ضرب واحد من التغيير ، وهو الحذف ، ولحقها مع الفعل ضربان : الحذف ، ووقوع الفعل بعدها ؛ فلهذا كان التعويض مع الفعل أولى من الاسم . والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه من إعمالها مع التّخفيف ما حكى بعض أهل اللغة من إعمالها في المضمر مع التّخفيف نحو قولهم : أظنّ أنك قائم ، وأحسب أنه ذاهب ، يريدون أنك وأنه بالتّشديد ، قال الشاعر : [ 127 ]
فلو أنّك في يوم الرّخاء سألتني * فراقك لم أبخل وأنت صديق
شرح
[ 126 ] نسب المؤلف هذا البيت لأبي صخر الهذلي ، وكذلك نسبه ابن يعيش في شرح المفصل ( ص 1132 ) وقد روى ابن منظور صدره ( ع ل م ) ونسبه إلى الحارث بن وعلة ، وتعلمي : أي اعلمي واستيقني . وهو ملازم لصيغة الأمر ، والشواهد عليه كثيرة ( انظر شرح الشاهد 325 في شرح الأشموني بتحقيقنا ) وكلفت : أولعت واشتد غرامي . والاستشهاد بالبيت في قوله « فتعلمي أن قد كلفت » حيث جاء بأن المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، وخبرها جملة « كلفت بكم » ولكون هذه الجملة فعلية فعلها متصرف غير دعاء فصل بينها وبين أن بقد ، وتقدير الكلام : فتعلمي أنه ( أي الحال والشأن ) قد كلفت بكم ، ونظير هذا البيت في الفصل بين أن المخففة وجملة خبرها بقد قول اللّه تعالى :وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَناوقول الشاعر ، وهو من شواهد ابن مالك في شرح كافيته وشواهد الأشموني ( رقم 282 ) :شهدت بأن قد خط ما هو كائن * وأنك تمحو ما تشاء وتثبت[ 127 ] أنشد رضي الدين في باب الضمير من شرح الكافية هذا البيت ، وقد شرحه البغدادي في -
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 166 | أبو البركات بن الأنباري