قال « 59 » : ( هذا باب ما جرى مجرى « ليس » في بعض المواضع ، بلغة أهل الحجاز ، ثمّ يصير إلى أصله ، وذلك الحرف « ما » ، تقول : ما عبد اللّه أخاك ، وما زيد منطلقا . ) وعليها قوله عز وجل :
( ما هذا بَشَراً )
« 60 » وقوله
( ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ )
« 61 » ، فهي تعمل عمل « ليس » ، ويقابلها :
« ما » في لغة تميم ، وهي حرف غير عامل ، ثم استعمل مصطلح « ما الحجازيّة » عند المبرّد قال « 62 » : ( و « ما » الحجازيّة بمنزلة « إنّ » في العمل وإن اختلف عملاهما ، واستواؤهما في أنّهما حرفان ليسا بفعل ) وتبعه على ذلك ابن السّرّاج « 63 » ثم تابعه الزّجّاجي « 64 » والرّمّانيّ « 65 » وابن جنّي « 66 » وأما الزّمخشريّ ، فقد سمّاها « ما المشبهة بليس » . ) « 67 »
ونجد لها تسمية أخرى عند المبرّد ، فهي « ما » النّافية « 68 » ، ناظرا في ذلك إلى معناها لا إلى عملها ، وأطلق عليها في موضع آخر « ما جرى مجرى الفعل لوقوعه في معناها » « 69 » .
ويلاحظ القارئ أن تسمية « ما » الحجازيّة منسوبة إلى القوم الذين يتكلمّون بالتّركيب نفسه ، وهم أهل الحجاز تمييزا لها عن « ما » التّميمية غير العاملة ، وإن كان معناها كمعناها ، وقد لاقت هذه التّسمية قبولا حسنا لدى النحويّين ، فأخذوا بها . وأمّا تسّمية الزّمخشري لها ( « ما » المشبّهة ب « ليس » فهي تسمية تساير نظرة النحويّين إلى « ما » من حيث الأثر الذي تسببه على أواخر الكلمات التي تقع عليها ، وهي تميّز العاملة من غير العاملة أيضا ، بيد أنّ استعمال مصطلح « ما الحجازية » أولى بالاستعمال منه لقصر عبارته بالقياس إليه .
وأما مصطلح المبرّد : « ما » النافية ، فهو مصطلح يراعي معنى الحرف ، ولا ينظر إلى عمله وقد استعمله المبرّد مرة واحدة ، بيد أنّ النحويين جميعهم قرروا أنّ معناها النّفي ، وأما استعمال المعنى مصطلحا فهذا ما لم أقف عليه عند غير المبرّد ، ويحمل على مصطلحه
هامش
( 59 ) الكتاب 1 / 57 .
( 60 ) يوسف 31 .
( 61 ) المجادلة 2 .
( 62 ) المقتضب 4 / 406 .
( 63 ) الأصول في النحو 2 / 220 ، وانظر 1 / 106 .
( 64 ) الجمل ص 105 .
( 65 ) معاني الحروف ص 88 - 90 .
( 66 ) الخصائص 1 / 125 ، وانظر اللمع في العربية ص 39 .
( 67 ) المفصل ص 30 .
( 68 ) المقتضب 4 / 188
( 69 ) المقتضب 4 / 188 .