ويجوز التشبيه - أيضا - كتشبيه غرّة الفرس بالصبح ، وعكسه ، متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه .
شرح
وقد يشكل على هذا قول الشاعر : ( تشابه دمعي ) مع قوله : ( فمن مثل ) فكيف جمع بينهما ولا سيما والفاء تشير إلى تسبب ذلك عن التشابه ؟ ولولا قوله في البيت الثاني :
فو اللّه ما أدرى ، لكنت أقول : التشابه لمجرد الجمع ، والتشبيه بعده لإيضاح المشبه الناقص والمشبه به الزائد ، ولو صح ما ادعاه بعضهم من أن ( مثل ) هنا من قولهم : مثلك لا يفعل كذا ، لأمكن الجواب به ، لكن الظاهر أن مثلك لا يفعل كذا ، لا يستعمل في حشو الكلام ؛ ولذلك قال الإمام فخر الدين في نهاية الإيجاز ، وغيره : إن ذلك مما صار تقديمه كاللازم . ومن التشابه قول الصاحب بن عباد :رقّ الزّجاج وراقت الخمر * وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنّما خمر ولا قدح * وكأنّما قدح ، ولا خمر « 1 »وعلى هذا الشاهد من السؤال ما على الذي قبله من اجتماع التشبيه والتشابه ، إلا أن يقال : إن ( كأن ) فيه للشك ، لا للتشبيه ، ويشهد له قوله : ( ولا قدح ولا خمر ) أو يقال :
التشبيهان المصرح بهما تعارضا لفظا كما تعارضا معنى في لفظ التشابه ، فتساقطا وبقي أصل التشبيه ، وقد يسلك هذا بأن يقدر من مثل ما جرى من دمعي في الكأس ، وقد يسلك في الآيتين الكريمتين ، بأن يقدر تشبيه محذوف يدل عليه مقابله .
واعلم أن هذا هو القسم الذي قصد به التساوي بين أمرين .
( قوله : ويجوز التشبيه أيضا ) أي يجوز استعمال صيغة التشبيه عند إرادة التشابه ، وذلك إذا أريد مجرد الجمع بين أمرين ، وهذا هو القسم الذي قدمت أن المقصود فيه مجرد الجمع لا التساوي ، وهذا القسم يستعمل كل من المشبه والمشبه به فيه موضع الآخر ، كتشبيه غرة الفرس بالصبح ، وتشبيه الصبح بغرة الفرس ، إذا كان المراد وقوع منير في مظلم أكثر من المنير ، بخلاف التشبيه الذي ليس بتشابه ، فإنه لا يجوز أن يوضع المشبه موضع المشبه به من غير ادعاء ؛ لأن وجه الشبه فيه أتم ، وهذا المثال يبين ما قلناه ، من أن المقصود في هذا القسم مطلق الجمع ؛ لأن غرة الفرس والصبح متفاوتان ،
هامش
( 1 ) البيتان للصاحب إسماعيل بن عباد ، وهما بلا نسبة في الإشارات والتنبيهات ص 191 .