. . .
شرح
( في وضوح الدلالة ) ليس المراد وخفائها ، بل الخفاء ليس بمراد ، إنما الكلام في طرق واضحة ، بعضها أوضح من بعض ، غير أنه يصدق على ما ليس أوضح ، أنه خفى بالنسبة إلى الأوضح ؛ فلذلك قال السكاكى : الوضوح والخفاء ، وإنما يريد ما ذكرناه ، بدليل قوله قبل ذلك : في وضوح الدلالة عليه والنقصان ، ويدل له أن ما ليس بواضح أصلا ، ليس طريقا بليغا ، فلا يكون مقاما بيانيا ولا فصيحا .
الثالث : أورد أيضا علم الإعراب ، فإنه كذلك فالحد غير مانع . وجوابه أنه خرج بقوله :
( المعنى ) إنما علم الإعراب يعرف به إيراد اللفظ ، والمعنى تبع له ، ثم بقوله :
( بطرق مختلفة ) فإن ذلك لا يطرد في الإعراب . ولما ذكر السكاكى هذا الحد ، ذكر عقبه : ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه .
وقال الترمذي : إنه يخرج به علم الإعراب . وقال الكاشي : إنه لا يحترز به عن شئ وعلم الإعراب لا يرد ؛ لأنه أحال هذا الحد على حد المعاني الذي ذكر فيه لفظ التتبع ، وهو غير حاصل للعرب ؛ فإنهم يتكلمون بطباعهم .
( قلت ) : وهذا الجواب لا يصح ؛ لأن النحاة يتتبعون تلك التراكيب . ثم لو صح لما كان جوابا عن المصنف ؛ لأنه لم يرتض ذلك الحد ، فحينئذ لعل الجواب ما ذكرناه .
الرابع : قال جماعة كثيرة منهم السكاكى : هذا العلم أخص من علم المعاني ، وأن هذا بمنزلة المركب ، وذلك بمنزلة المفرد . وفيه نظر من وجوه ، منها : أن الأعم موجود في ضمن الأخص ، فيلزم أن يذكر علم المعاني في علم البيان ، وليس الأمر كذلك .
فإن قالوا : إن معرفته متوقفة على معرفة علم المعاني ، فبينهما حينئذ تلازم لا أن أحدهما جزء الآخر . ثم لا نسلم أن علم البيان يتوقف على معرفة علم المعاني ؛ لجواز أن يعلم الإنسان حقيقة التشبيه والكناية والاستعارة ، وغير ذلك من علم البيان ، ولا يعلم تطبيق الكلام على مقتضى الحال . فليس علم المعاني جزءا من البيان ، ولا لازما له .