والثاني : أن يثبت لشئ صفة مدح ، ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له ؛ نحو : أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش وأصل الاستثناء فيه - أيضا - أن يكون متصلا كالضّرب الأوّل ؛ لكنّه لم يقدّر متصلا ؛ فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني ؛ ولهذا كان الأول أفضل .
ومنه ضرب آخر ؛ وهو نحو :
وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا
« 1 » والاستدراك في هذا الباب كالاستثناء ؛
شرح
( الثاني ، أن يثبت لشئ صفة مدح وتعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أنى من قريش ) « 2 » وأصل الاستثناء فيه ) أي في هذا الضرب ( أن يكون منقطعا ) لكنه لا يقدر متصلا كما قررناه في الضرب قبله ، فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني ، وهو أن سامعه يتوهم أولا ثبوت صفة ذم ثم يزول ذلك ، ويتأكد المدح بتكرره بخلاف الأول فإنه يفيده بالوجهين السابقين ؛ فلذلك قلنا :
الأول أفضل قال في الإيضاح : وأما قوله تعالى :لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً« 3 » فيحتمل الوجهين وأما قوله تعالى :لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً« 4 » فيحتملهما ، ويحتمل وجها ثالثا ، وهو أن يكون الاستثناء من أصله متصلا ؛ لأن معنى السّلام هو الدعاء بالسلامة ، وأهل الجنة عن الدعاء بالسلامة أغنياء ، فكان ظاهره من قبيل اللغو ، لولا ما فيه من فائدة الإكرام ، ثم قال المصنف : ( ومنه ) أي من تأكيد المدح بما يشبه الذم ( ضرب آخر ) أي ثالث وهو نحو قوله تعالى :وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّناأي ما تعيب منا إلا أصل المفاخر وهو الإيمان ، وإنما جعل هذا ضربا ثالثا ؛ لأن الاستثناء فيه مفرغ وفي الأولين تام ، والاستثناء فيه متصل حقيقة ، وفي الأولين منقطع ، واتصاله في أحدهما بالفرض لا حقيقة . قلت : لم يظهر لي أن هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم ؛ لأنهم لم يستثنوا الإيمان من العيب ، وإنما استثنوه مما لا يعيب ، ولا يلزم من كونه يعيب الإيمان بكفره وأن يكون عيبا معناه
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 126 .
( 2 ) " لا أصل له ، ومعناه صحيح " ، أورده العلامة الشوكاني في " الفوائد المجموعة " ( 2 / 413 ) ، والعجلوني في " كشف الخفاء " ، ( 1 / 201 ) ، وقال : " قال في اللآلئ : معناه صحيح ، ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ ، وأورده أصحاب الغريب ، ولا يعرف له إسناد . . . "
( 3 ) سورة الواقعة : 25 ، 26 .
( 4 ) سورة مريم : 62 .