تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
ومنها : أن يدل العقل عليهما ؛ نحو : وَجاءَ رَبُّكَ ( 1 ) أي : أمره أو عذابه ( 2 ) . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
الثاني : أن قوله : أدلته كثيرة منها أن يدل العقل لا يصح ؛ لأن يدل العقل ينحل إلى دلالة العقل ، فكأنه قال : أدلته الدلالة ، وهو فاسد . وتأويله : إما بأن يؤول الأدلة على الدلالات وهو الأولى ، أو يؤول : أن يدل بالدلالة التي بمعنى الفاعل ، كما هو قول في : عسى زيد أن يقوم . كما يؤول الموصول الحرفي وصلته بالمصدر ، بمعنى المفعول في قول ضعيف ، ذكره جماعة في قوله سبحانه : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وقوله سبحانه : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ ( 4 ) ويقرب مما نحن فيه ، قولك : زيد أكرم على من أن أضربه . نقل الشيخ أبو حيان في تذكرته ، عن صاحب البديع ، أن " أن " فيه بمعنى الذي ، وفيه نظر ؛ لأن " أن " لا تكون بمعنى الذي ، ولأنه كان يلزم أن يقول : أنا أكرم على زيد من أن أضربه . ونقل الشيخ أبو حيان عن بهرمان أن هذا وقع جوابا لمن قال : أنت تريد أن تضربني ، فمعناه : أنت أكرم على ممن يقدر في نفسه ذلك . انتهى . وصحة قولك : أنا أكرم على زيد من أن أضربه ، يشهد لها مع كثرة الاستعمال . وذكر سيبويه لها في كتابه ، قوله صلّى الله عليه وسلّم : " أنا أكرم على الله من أن يعذبني بذات الجنب " ثم قال : ومنها - أي من أدلة الحذف - أن يدل العقل عليهما أي : على الحذف والتعيين ، نحو : قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ أي : أمره ، أو عذابه ؛ لأن العقل دل على أصل الحذف لاستحالة مجئ الباري - سبحانه وتعالى - عقلا ، فإن ذلك يستلزم الجسمية ، ودل العقل أيضا على التعيين ، وهو الأمر أو العذاب . ( قلت : ) فإذا كان محتملا لهما ، فأين التعيين ؟ إلا أن يكون أراد بقوله : الأمر الذي بمعنى العذاب ، أو العذاب ، وذلك اختلاف في العبارة فقط ، لا في المعنى .
هامش
( 1 ) سورة الفجر : 22 . ( 2 ) قوله : أي : أمره أو عذابه فيه نظر ، فإن السلف لا يرون هذا التأويل ، بل يثبتون لله صفة المجئ بمقتضى ظاهر هذه الآيات ، ولا يوجب العقل الصريح هذا التأويل الذي ذكروه ، وانظر : مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم - رحمه الله - فقد أجاب عن تأويل الفرق الكلامية لصفة المجئ وغيرها ، في حديثه عن كسر طاغوت المجاز . ( 3 ) سورة البقرة : 3 . ( 4 ) سورة يونس : 37 .