. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
القراءة بتنزيل الفعل المتعدى منزلة اللازم ، وأورد عليه أنه يلزم الفصل بين المؤكد والمؤكد ؛ لأن اقرأ الثاني تأكيد لأقرأ الأول وفصل بينهما بِاسْمِ رَبِّكَ وقد يجاب بأمور ، منها : أن هذا ليس بتأكيد ، فإن اقرأ الأول نزل منزلة اللازم كما سبق ، وإن جعل تأكيدا للأول لم يصح ؛ لأن الثاني أخص ولا يكون الأخص تأكيدا للأعم بخلاف العكس ، ومنها أن الممتنع الفصل في التأكيد الاصطلاحي ، وهذا تأكيد لغوى بيانى لا يمتنع معه الفصل . ومنها : التزام جواز الفصل في مثله كقوله سبحانه وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ( 1 ) فقد فصل بين يرضين وكلهن بالجار والمجرور ، هذا وهو ليس معمولا للمؤكد ، فما كان معمولا أولى ، وادعى الزمخشري أن الاختصاص في وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 2 ) أبلغ منه في إِيَّاكَ نَعْبُدُ والظاهر أن يريد لما فيه من تكرير المفعول المستدعى لتكرير الجملة ، وفيما ذكره نظر ، والذي يظهر العكس ، فإن وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ لا دلالة فيه على التقديم حتى يفيد الاختصاص ؛ لأن عامل إياي جاز أن يكون متأخرا عن إياي ، وأن يكون متقدما عليه ، فلا يكون المفعول مقدما ، فلا اختصاص لا يقال : لا يصح ذلك فإنه لو تقدم العامل لما انفصل الضمير كما ذكره شيخنا أبو حيان في تفسير هذه الآية رادا على من زعم ذلك ؛ لأنا نقول : من أسباب الانفصال حذف العامل كما ذكره ابن مالك ، وأما إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( 3 ) فلا ضرورة فيه ، ولا دليل على حذف عامل إياك ومفعول نعبد ، بل إياك معمول نعبد المذكور ، فيتحقق فيه التقديم المفيد للاختصاص .
واعلم أن ابن الحاجب قال في شرح المفصل : إن الاختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس من تقديم المعمول وهم ، واستدل على ذلك بقوله تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 4 ) ثم قال تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ( 5 ) وهو استدلال
ضعيف ؛ لأن مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أغنى عن إرادة الحصر في الآية الأولى ، ولو لم يكن فما الذي يمنع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر ، كما تقول : عبدت الله ، وتقول : ما عبدت إلا الله ، كل سائغ .
قال سبحانه وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ( 6 ) وقال تعالى :
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 51 .
( 2 ) سورة البقرة : 40 .
( 3 ) سورة الفاتحة : 5 .
( 4 ) سورة الزمر : 2 .
( 5 ) سورة الزمر : 66 .
( 6 ) سورة الحج : 77 .