تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
ونظيره في التعريض : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ( 1 ) أي : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ؛ بدليل : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، ووجه حسنه : إسماع المخاطبين الحقّ على وجه لا يزيد غضبهم ، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ، ويعين على قبوله ؛ لكونه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
التعريض وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ المراد : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم بدليل : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فإن قلت : قد تقدم : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ التفات ، والمعنى وإليه أرجع ، فإذا كان تعريضا لا يكون فيه التفات ، بل يكون عبر في الأول بياء المتكلم عن المخاطبين ، فهذا مناقض لما سبق ؟ قلت : ليس كذلك ، ولا منافاة بين الكلامين ؛ فإن التعريض ليس من شرطه أن يراد به غير ظاهر اللفظ ؛ بل يراد ظاهره لا لقصده ، بل يكون المقصود بالكلام غيره ، كما يخوف الملك ولده ليحذر غيره من خدمه تأسيا من باب أولى ، فقوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ المراد به المتكلم ، ولكنه إذا قال لنفسه ذلك كان فيه من التعريض بأن كل أحد ينبغي أن يكون كذلك ما لا يخفى كما سبق . وقوله : والمراد وما لكم ، أي : الذي سبق الكلام لأجله ، لا أن المتكلم غير مراد ، وهذا الباب يسمى الكلام المنصف ومثله : أتهجوه ولست له بكفء . . . فشرّكما لخيركما الفداء ( 2 ) لأن من سمعه من معاد وموال يقول : أنصف قائله . ومنه : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ( 3 ) وقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 4 ) فإنه لو جرى على الظاهر لجاء لا تسألون عما نعمل ولا نسأل عما أجرمتم . ووجه حسنه إسماع المخاطبين الحق على وجه لا يغضبهم ، فإنه ليس فيه التصريح بنسبتهم إلى الباطل ، وصرفه إلى المتكلم إشارة إلى أنه لا يريد لهم إلا ما أراده لنفسه . قلت : ومن هنا يعلم أن ضمير المتكلم في : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي على وضعه . ووجه الحسن في قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ ( 5 ) إشارة إلى النصفة التامة ، وأن أعز خلق الله عليه حكمه حكم غيره في تحريم الإشراك عليه .
هامش
( 1 ) سورة يس : 22 . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص : 76 ، وخزانة الأدب 9 / 232 ، 236 ، 237 ، وشرح الأشمونى 3 / 388 ، ولسان العرب 3 / 420 ( ندد ) ، 6 / 316 ( عرش ) ، ويروى ( بند ) بدلا من ( بكفء ) . ( 3 ) سورة البقرة : 209 . ( 4 ) سورة سبأ : 24 ، 25 . ( 5 ) سورة الزمر : 62 .