تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
وفى كليهما نظر أما الأول فلما سيأتي ، وأما الثاني فلا خلاف التعظيم مستفاد من البناء للمرة ومن نفس الكلمة ، لأنها إما من قولهم : نفحت الريح إذا هبت أي هبة ، أو من قولهم : نفح الطيب ، إذا فاح أي فوحة ، كما يقال : شمة ، واستعماله بهذا المعنى في الشر استعارة ؛ إذ أصله أن يستعمل في الخير يقال له : نفحة طيبة أي هبة من الخير ، وذهب أيضا إلى أن قوله : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ( 1 ) نكر العذاب فيه للتهويل ، أو لخلافه والظاهر أنه لخلافه ، وإليه مال الزمخشري ، فإنه ذكر أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع الله ؛ حيث لم يصرح فيه أن العذاب لا حق له لاصق به ؛ لكنه قال : إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فذكر الخوف والمس ، ونكر العذاب . اه كلامه وهو ضعيف ، وأما قوله : فلما سيأتي فسنتكلم عليه في موضعه ، وأما قوله أن خلاف التعظيم مستفاد من المرة قد يمنع دلالة المرة على التحقير ، فإنه لا ملازمة بين الوحدة والتقليل ، بل بين صدقهما عموم وخصوص من وجه ، وأما التقليل فيحتمل أن يقال : لا يستفاد من المرة بل المستفاد من المرة الإفراد ، وهو غير التقليل ، فالشئ العظيم الواقع مرة واحدة لا يقال له : قليل ، وقوله : إنه مستفاد من نفس الكلمة ذكره الزمخشري ، وليس له في كلمة النفح وفعلها ما يدل على ذلك ؛ بل هو مستفاد من المس ، ولا نسلم أن معنى فاح وهب وشم نفحة وهبة وشمة ، بل الأعم من ذلك ، وإنما الذي قد يقال : إنه يدل على الوحدة هو النفحة ، وقوله : إنه استعارة ، لأنه إنما يستعمل في الخير محتاج لنقل ذلك عن أهل اللغة ، وكون التنكير للتهويل أو خلافه ينبنى عليهما استعمال الرحمن ، فعلى الأول تكون الحكمة فيه الإشارة إلى أن من هو كثير الرحمة لا يعذب إلا عن ذنب عظيم لا مجال للعفو فيه وعلى الثاني يكون ذكره للتلطف . ( تنبيهان ) : الأول : ما تقدم في تنكير الوحدة والتقليل والتعظيم والتحقير ، ليس معناه أن مع كل نكرة صفة محذوفة ، فإذا قلت : أكرم رجلا تريد واحدا ، فقد أطلقت الرجل ، وأردت تقييده بالوحدة ، وليس في اللفظ صفة واحد وقد حذفت اكتفاء عنها
هامش
( 1 ) سورة مريم : 45 .
عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 206 | عبد الحميد هنداوي / أحمد بن علي السبكي