. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
أنه لا يخلو الحال عن أحدهما ، وليس الإخبار حال الجنون كذبا ؛ لأنه جعل قسيمه ، ولا صدقا ؛ لأنهم لا يعتقدونه ، فثبت الواسطة ، قلت : وهذا لا يدل لهذا القول فقط ، بل يدل لأن المطابقة ليست هي معيار الصدق ، ووراء هذا أمران : إما اشتراط الأمرين وثبوت الواسطة كما ذكر ، أو اشتراط الاعتقاد فقط في كل من الطرفين ، ليكون خبر غير المعتقد واسطة ؛ لكن هذا القول لم يثبت عن أحد ؛ إنما هو احتمال ذكره الخطيبي في كلام المصنف .
وأجاب المصنف بأن المعنى : أفترى أم لم يفتر ، وعبر عن الثاني بالجنة ؛ لأن المجنون لا افتراء له ، وحاصله أن الافتراء ليس مطلق الكذب ؛ بل الكذب عن عمد ، ويكون خبر المجنون كذبا لا عمد فيه ، أو لا يكون صدقا ولا كذبا ، لا باعتبار أن ثم واسطة ، بل باعتبار أن ما ينطق به ليس مقصودا ، فليس بكلام . وهذان جوابان ذكرهما ابن الحاجب في المختصر ، ولك فيهما طريقان : أحدهما : أن يكون الجنون أريد به لازمه مجازا ، والثاني : أن يكون أريد معناه كناية ، فهذه أربعة أجوبة . واستدل للجاحظ أيضا بقول عائشة - رضي الله عنها - : " ما كذب ولكنه وهم " ( 1 ) وأجاب بتأويل ما كذب عمدا ، وهو مجاز تخصيص .
واعلم أن قوله تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 2 ) قد يرد على الجاحظ ؛ فإنه تعالى سمى قولهم كذبا ، مع أنه لم تحصل عدم المطابقة ، بل عدم الاعتقاد ؛ لكن لا يرد عليه على الجواب السابق ؛ لأنهم أخبروا أنهم معتقدون لذلك ، وإخبارهم غير مطابق ، ولا هم معتقدون .
( تنبيه ) قد يطلق الكذب على عدم المطابقة والصدق في المطابقة في غير الخبر ، كقوله صلّى الله عليه وسلّم : " وكذب بطن أخيك " ( 3 ) ، وقول الأنصار : " إما لصدق عند اللقاء " ، وقوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ( 4 ) ، وقال تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ( 5 ) ،
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه مسلم في " صلاة المسافرين " ، ( 2 / 484 ) ط . الشعب .
( 2 ) سورة المنافقون : 1 .
( 3 ) أخرجه البخاري في " الطب " ، ( 10 / 178 ) ، ( ح 5716 ) ، ومسلم ( ح 2217 ) .
( 4 ) سورة الفتح : 27 .
( 5 ) سورة القمر : 55 .