( بما يجعله غريبا ) ويخرجه عن الابتذال ( كقوله :
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا * إلا بوجه ليس فيه حياء )
فتشبيه الوجه بالشمس مبتذل . . .
شرح
بعض المعاني على بعض ) أي : كالترتيب فيوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ« 1 » الآية ، فإن خضرة النبات مرتبة على الماء واليبس مرتب على الخضرة ( وقوله :
وبناء ثان . . إلخ ) عطف على ترتيب بعض المعاني على بعض عطف تفسير أو لازم على ملزوم ، وكذا ( قوله : وردّ تال إلى سابق ) ( وقوله : وتأمل ) تفسير لنظر .
( قوله : بما يجعله ) أي : بتصرف يجعله غريبا ، وذلك بأن يشترط في تمام التشبيه وجود وصف لم يكن موجودا أو انتفاء وصف موجود ولو بحسب الادّعاء ( قوله : ويخرجه عن الابتذال ) أي : إلى الغرابة ، وهذا عطف لازم على ملزوم ( قوله : كقوله ) أي : قول القائل وهو أبو الطيب المتنبي من قصيدة من الكامل يمدح فيها هارون بن عبد العزيز الأوراجى ، وأولهاأمن ازديارك في الدّجى الرّقباء * إذ حيث كنت من الظلام ضياء « 2 »( قوله : لم تلق هذا الوجه . . إلخ ) « 3 » هذا الوجه : مفعول ، وشمس نهارنا فاعل ، والمراد بهذا الوجه وجه الممدوح أي : لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا في حال من الأحوال إلا ملتبسة بوجه لا حياء فيه ( فقوله : إلا بوجه ) استثناء مفرغ من الحال يعنى :
أن الشمس دائما وأبدا في حياء وخجل من الممدوح لما أن نور وجهه أتم من النور والإشراق الذي فيها ، فلا يمكن أن تلاقى وجهه إلا إذا انتفى عنها الحياء ، أما عند وجوده كما هو حق الأدب منها فلا يمكن أن تلقاه ، ويصح رفع الوجه على الفاعلية ونصب شمس نهارنا على المفعولية ، والمعنى : أن الشمس لا يمكن أن يلقاها وجه الممدوح إلا إذا كانت متجردة عن الحياء الذي ينبغي لها أن لا ترتكبه ، إذ لو كان فيها حياء لامتنعت من أن يلقاها وجه الممدوح لكونه أعظم منها ( قوله : فتشبيه الوجه ) أي : وجه
هامش
( 1 ) الكهف : ( 45 ) .
( 2 ) البيت من مطلع قصيدة لأبى الطيب المتنبي في ديوانه 1 / 169 ، يمدح أبا على هارون بن عبد العزيز الأوراجى الكاتب ، ووقعت في المطبوع الأدراجى والبيت فيه " ازديادك " مكان ازديارك والتصويب من شرح الديوان وغيره كمعاهد التنصيص ، والوساطة بين المتنبي وخصومه .
( 3 ) البيت للمتنبى في عقود الجمان 2 / 30 ، والإيضاح ص 238 والتلخيص ص 71 .