( جاز ) جواب لما ؛ أي جاز بسبب هذه المبالغة المذكورة ( أن يتوهم السامع قبل التأمل أنه ) أعنى : قوله
ذلِكَ الْكِتابُ
( مما يرمى به جزافا ) من غير صدور عن روية وبصيرة ، ( فأتبعه ) على لفظ المبنى للمفعول ، والمرفوع المستتر عائد إلى
لا رَيْبَ فِيهِ
والمنصوب البارز إلى
ذلِكَ الْكِتابُ
أي : جعل
لا رَيْبَ فِيهِ
تابعا ل
ذلِكَ الْكِتابُ
. . .
شرح
قولك " زيد الشجاع " قد يقصد به مجرد كمال شجاعته ، وقد يتوسل بذلك إلى التعريض بنقصان شجاعة غيره ممن يدعى مساواته لزيد في الشجاعة .
واعلم أن هذا الكلام الذي قرر به الشارح الحصر في الآية ليس في ظاهره سوء أدب ، إذ لم يصرح بوصف الكتب التي وقع الحصر باعتبارها بالنقصان ولا في باطنه ؛ لأن الملك الأعظم له أن يفضل ما شاء من كتبه على غيره بالمبالغة الحصرية ، وغيرها ، نعم لو سميت فيه الكتب ، ووقع الحصر من غير الملك الأعلى ، لزم سوء الأدب ، أو وقع الحصر من غير الملك الأعلى ولو لم تسم الكتب ، قاله اليعقوبي ( قوله : جاز إلخ ) أي لأن كثرة المبالغة تجوّز توهم المجازفة ، لما جرت به العادة غالبا أن المبالغ في مدحه لا يكون على ظاهره ، إذ لا تخلو المبالغة غالبا من تجوز وتساهل ( قوله : قبل التأمل ) أي في كمالات الكتاب . ( قوله : أعنى قوله " ذلك الكتاب " ) أي المفيد للمبالغة في المدح ( قوله :
مما يرمى به ) أي من جملة الكلام الذي يتكلم به . ( قوله جزافا ) مثلث الجيم لكن الضم والفتح سماعيان ، والكسر قياسي ؛ لأنه مصدر جازف جزافا ومجازفة ، أي أخذ بغير تقدير ومعرفة بالكمية ، والجزاف أيضا التكلم من غير خبرة وتيقظ ، ونصبه في كلام المصنف على المصدرية ، أي يرمى به رمى جزاف أي رميا بطريق الجزاف ( قوله : من غير صدور إلخ ) لعدم ملاحظة مقتضياته ومراعاة لوازمه ، وهذا تفسير للجزاف ، وليس زائدا عليه كما علمت فهو على حذف أي فإن قلت إن توهم كون الكلام مما يرمى به جزافا ، إنما يصح لو صدر عن غير علام الغيوب ، فكيف يقال : يجوز أن يتوهم أن هذا الكلام مما يرمى به جزافا ؟ قلت : أجابوا عن ذلك : بأن المراد أن هذا الكلام لو كان من غيره لتوهم ما ذكر ، فأجرى معه " لا ريب فيه " دفعا لذلك التوهم ، جريا على قاعدة ما