يعنى : يقيمون بالبادية ؛ لأن فقد العز في الحضر ( أو التعريض بغباوة السامع ) حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس ( كقوله « 1 » :
أولئك آبائي فجئنى بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع
شرح
هذا البيت الفردان لا النوعان بناء على أن إقامتهم كانت بين فردين من النوعين ، فأشار الشارح إلى بيان المعنى المراد لا المعنى الأصلي ( قوله : يعنى يقيمون إلخ ) أي : فقوله بين الضال والسلم كناية عن إقامتهم بالبادية ( قوله : لأن فقد العز في الحضر ) وذلك لأن من كان في الحضر تناله الأحكام بخلاف من كان في البادية فهو آمن مما ينغصه ، وأشار الشارح بذلك إلى أن مراد الشاعر بوصفهم بسكنى البادية بين الضال والسلم : وصفهم بالعز ، والشاهد في إيراد المسند إليه اسم إشارة لقصد تمييزه تمييزا كاملا لغرض مدحه بالانفراد في المحاسن وبالعز ، ويحتمل أن يكون المراد بالوصف بسكنى البادية وصفهم بكمال البلاغة ونهاية الفصاحة لكونهم لا يخالطون في الحضر طوائف العجم فتكون لغاتهم سالمة مما يخل بالفصاحة ، وكأن الشارح اختار الأول تأسيا بكلام أبى العلاء المعرى حيث قال :الموقدون بنجد نار بادية * لا يحضرون وفقد العزّ في الحضر .( قوله : حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس ) أي : غير المدرك بحاسة البصر أي الذي وضع له اسم الإشارة ( قوله : أولئك آبائي « 2 » إلخ ) هذا من كلام الفرزدق يهجو جريرا ، والشاهد في إيراد المسند إليه اسم إشارة للتنبيه على غباوة جرير ، حتى إنه لا يدرك غير المحسوس ، ولو قال فلان وفلان وفلان آبائي لم يحصل التعريض بذلك ، وقوله : فجئنى بمثلهم : أمر تعجيز على حد قوله تعالى :فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ« 3 » أي لا تقدر على الإتيان بمثلهم في مناقبهم إذا جمعتنا مجامع الافتخار يوما ما ( قوله : فجئنى بمثلهم )
هامش
( 1 ) من الطويل وهو للفرزدق في ديوانه 11 / 418 ، وأساس البلاغة ( جمع ) .
( 2 ) البيت للفرزدق في ديوانه ( 1 / 418 ) والإشارات والتنبيهات ( 184 ) والتبيان للطيى ( 1 / 157 ) بتحقيق د / عبد الحميد هنداوي .
( 3 ) البقرة : 23 .