إن كان السؤال عن صدقة التطوع ، فليس لها مصرف إذا أخطأه لم تقبل ؛ لأن في كل ذي كبد رطبة أجرا ، فكيف يقال هذا بيان مصرفها اللهم إلا أن يراد مصرفها على وجه الكمال ، وإن كان عن صدقة الفرض فجنس المنفق منه ، ومقدار المنفق أكيد فيهما إذ لا يجزى أقل الواجب منهما كما لا تجزى من غير جنس ما وجبت فيه مع أن مصارفها لا تختص بما ذكر ، والوالدان مما ذكرنا قد لا تجزى فيهما لوجوب النفقة عليهما .
نعم مصارف الفرض أهم من مقدار المنفق ؛ لأن كل ما أنفق مما وجبت منه أجزأ عن قدره ، والباقي متعلق بالذمة فتأمل ، وهذا كله إذا كان السؤال عما ذكر فقط ، وأما إن كان السؤال عن المنفق ، وعن مصرفه معا كما قيل إن عمرو بن الجموح سأل ماذا ينفق وأين المنفق فيه ؟ فنزلت الآية ، فليست من تلقى السائل بغير ما يتطلب من الجواب عن البعض صراحة ، وهو المصرف وعن البعض الآخر ضمنا ؛ لأن في ذكر الخير إشارة إلى أن كل مال نافع ينفق منه ، وبهذا يعلم أن التلقي على الاحتمال الأول باعتبار المصرح به ، وأن التضمنى مطابق فليفهم .
( ومنه ) أي : ومن خلاف مقتضى الظاهر ( التعبير عن ) المعنى ( المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه ) لأن لفظ المضي مشعر بتحقق الوقوع وذلك كقوله تعالى (
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
) " 1 " فالفزع يقع في المستقبل ، وعبر عنه بصيغة المضي كما رأيت تنبيها على التحقق ، والأصل ، فيفزع من في السماوات ، ومن في الأرض ، وكذا عكس هذا ، وهو أن يعبر عن المضي بلفظ المضارع إحضارا لصورته ، أو إشارة لتجدده شيئا فشيئا ، كقوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً
" 2 " وقوله تعالى :
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ
" 3 " أي :
ما تلت ثم التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي يحتمل أن يكون من المجاز المرسل ، والعلاقة
هامش
( 1 ) النمل : 87 .
( 2 ) فاطر : 9 .
( 3 ) البقرة : 102 .