بهما لتنزيله منزلة الجاهل ، ولا يكون إيراد الكلام حينئذ خاليا عن الفائدة المقصودة للعقلاء فقال :
( وقد ينزل العالم ) أي : وقد ينزل المتكلم مخاطبة العالم ( بهما ) أي : بفائدة الخبر التي هي مدلوله ، وبلازمها الذي هو كون المتكلم عالما بتلك الفائدة ( منزلة الجاهل ) بهما فيلقى إليه الكلام كما يلقى للجاهل المستفيد تنبيها على أنه هو والجاهل سواء ( لعدم جريه على موجب العلم ) بالفائدتين ، فإن فائدة العلم العمل بمقتضاه ، وبذلك تكون له مزية على الجهل ، فيكون ذلك الإلقاء كصريح التعبير والتوبيخ على عدم العمل بموجب العلم ، فيقال مثلا لتارك الصلاة : الصلاة واجبة يا هذا ، وإن كان عالما بوجوبها إيماء إلى أنه لا يتصور تركها إلا من الجاهل بالوجوب ، وإشارة إلى أنه هو والجاهل سواء ، ففي ذلك من التوبيخ ما لا يخفى ، هذا في تنزيل العالم بالفائدة منزلة الجاهل بها ، وهو الأكثر استعمالا ، وقد ينزل العالم باللازم منزلة الجاهل ، كما إذا آذاك إنسان إذ ترى أنه لا يباشر به إلا من يعتقد مؤذيه كفره ولا يعلم اللّه ورسوله فتقول تنزيلا له منزلة من اعتقد جهلك باللّه ورسوله : اللّه ربنا ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم رسولنا ؛ لعدم جريه على موجب علمه بأنك عالم أن اللّه رب العالمين ، ومحمدا - صلّى اللّه عليه وسلّم - رسوله ، ولو قلت في هذا المقام : " أنا مسلم " كان مثالا لتنزيل العالم بالفائدة منزلة الجاهل ، كما لا يخفى ، وقد ورد كثيرا تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل به ، ولو لم يكن ذلك الشيء فائدة الخبر ، ولا لازمها لاعتبارات خطابية مرجعها إلى التسوية بينه وبين الجاهل تعبيرا له وتقبيحا لحاله ، وذلك كقوله تعالى :
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
" 1 " ففي هذا الكلام إثبات العلم لأهل الكتاب بأن لا ثواب لمن اشتراه ، ولما ارتكبوه نزلوا منزلة من جهل ، فنفى عنهم العلة مطلقا أو علمهم المخصوص في قوله تعالى :
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
" 2 " تعبيرا لهم ، وليس في هذا الخطاب إلقاء كلام مضمنه أن
هامش
( 1 ) البقرة : 102 .
( 2 ) البقرة : 102 .