تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وهو ظاهر ، وأنت خبير بأن هذا بعد تسليمه لا ينتج إلا ثبوت الواسطة في الجملة لا ثبوتها على الوجه المذكور عند الجاحظ ( ورد ) هذا الاستدلال ( بأن المعنى ) أي : معنى قوله :
أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
( أم لم يفتر ) فيكون مرادهم - لعنة اللّه عليهم - إن أخباره ليست من اللّه تعالى على كل حال بل إما أنه اختلق ذلك بالقصد أو وقع بلا قصد ، فعبر بالافتراء الذي هو الاختلاق عن قصد عن معناه ، وعبر عن مقابله وهو عدم الافتراء بوجود الجنة لاستلزامه عدم الافتراء على وجه الكناية وهو معنى قوله : ( فعبر عنه ) أي : عن عدم الافتراء ( بالجنة لأن المجنون لا افتراء له ) فعلى هذا يكون حصر الإخبار في الافتراء وعدمه من حصر الكذب في نوعيه ، وهما الكذب عمدا وهو الافتراء والكذب لا عمدا وهو المراد بعدم الافتراء ، وهذا ظاهر إن سلم أن الافتراء هو الكذب عن عمد ، وهو الأظهر ، في أكثر الاستعمال لا يقال مقابلة الافتراء بعدمه لا تدل على أن المراد بعدمه كذب ، لا عن عمد لصدق عدم الافتراء بالصدق ، ولا تحسن مقابلة الشيء إلا بما يعانده صدقا ؛ لأنا نقول : كونهم كفارا معتقدين غير الصدق يعين أن المراد عندهم بعدم الافتراء الكذب لا عن عمد ، فكأنهم يقولون ليس ثم الإخلاف الواقع فإما أنه تعمده أو لم يتعمده لجنون فناسب المقابلة ، وقد رد اللّه تبارك تعالى عليهم - لعنة اللّه عليهم - مخبرا بضلالهم وأنهم الكاذبون متوعدا عليهم بقوله وهو أصدق القائلين :
بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ
" 1 " ، ثم شرع في الأبواب الثمانية وقدم منها أحوال الخبر عن الإنشاء ؛ لأن مباحثه أكثر ولطائفه كما يعلم بتتبع التراكيب أعجب ، ولأن الإنشاء فرع الخبر ؛ لأنه إما بنقل كنعم وعسى ، أو بآية كهل ، أو باشقاق كقم ، وقدم من أحوال الخبر أحوال الإسناد عن أحوال المسندين ؛ لأن البحث عنهما من حيث وصفهما بالإسناد ، ولا يتعقلان باعتبار الاتصاف بالإسناد إلا بعد تعقل الإسناد وأما كون الإسناد من النسب التي لا تعقل إلا بين المنتسبين ، فيلزم تأخر اعتباره عن الطرفين فذلك باعتبار ذات المسندين ، وبحثنا في هذا الفن عنهما من حيث كونهما مسندين ، وهما من تلك الحيثية متأخران ؛ لا من حيث ذاتهما فقال :
هامش
( 1 ) سبأ : 8 .
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 152 | ابن يعقوب المغربي / خليل إبراهيم خليل