تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
عليه ما قيل : أفترى في الافتراء : وهو الكذب ، وفي الإخبار : حالة الجنون ، وإنما قلنا : في الإخبار حال الجنون لا في " أم به جنة " لأن الاتصاف بوجود الجنون الذي هو مدلول به جنة لا يصدق عليه الإخبار حتى ينحصر فيه وفي مقابله مثلا ، بل نقول : هو إنشاء باعتبار الأصل ، إذ المعنى : هل افترى علي كذبا أم هل به جنون ؟ فأخبر حال الجنون ، فإن روعى الأصل لم يصح وصفه بأوصاف الخبر من الصدق أو غيره ، وإن روعى أن المعنى إما أنه مفتر وإما أن به جنونا لم يصح صدق الخبر عليه بهذا المعنى أيضا ، حتى يوصف بأوصافه ، فتعين إرادة لازمه وهو الإخبار حال الجنون وهو الموصوف بالصدق أو غيره ، فالمراد أن أمره دائر بين كونه أفترى أو أخبر حال الجنون ، فصورته صورة استفهام لطلب التعيين لاعتقاد أن الواقع أحدهما ، والمراد الحصر على وجه منع الخلو والاجتماع معا ، وإنما دل هذا الكلام على ثبوت الواسطة ( لأن المراد بالثاني ) وهو الإخبار حال الجنون ( غير الكذب ) وإنما كان المراد غير الكذب ( لأنه ) أي : لأن الثاني ( قسيمه ) أي قسيم الافتراء الذي هو الكذب ، وقسيم الشيء على وجه منع الجمع لا يصدق عليه ، وبهذا يعلم أن الحصر على وجه منع الجمع والخلو معا ( و ) المراد بالثاني أيضا وهو الإخبار حال الجنون ( غير الصدق ) وإنما قلنا : مرادهم به غير الصدق أيضا ( لأنهم لم يعتقدوه ) أي : لم يعتقدوا الصدق في إخبار النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - لأنهم كفار أعداء لا يعتقدون الصدق أصلا ، بل هو غاية البعد عن اعتقادهم لكفرهم لا يقال : عدم اعتقاد الصدق بعدم الاعتقاد أصلا فيتصور منهم التسليم بأن يكون غير معتقدين صدقا ولا عدمه ، فيصح أن يكون الحاصل في نفس الأمر عندهم الصدق ؛ لأنا نقول : إنهم أعداء كفار معتقدون لعدم الصدق ، فعبر المصنف عن اعتقاد عدم الصدق بعدم اعتقاد الصدق ؛ للعلم بعنادهم ، ولو عبر به كان أظهر ، فإذا كان الإخبار حال الجنون لم يريدوا به صدقا ولا كذبا لما ذكر ، فقد أرادوا بذلك غيرهما وهم عرب يستدل باطلاقهم وإرادتهم ، لزم أن مرادهم بالإخبار حال الجنون ما هو واسطة ، فقد جعل عدم اعتقادهم للصدق المتضمن لاعتقادهم عدم الصدق دليلا على إرادة غير الصدق وهو غير الكذب أيضا لما ذكر ، فتم الدليل ، ولم يجعل عدم الاعتقاد للصدق دليلا على عدم وجود الصدق حتى يرد أن عدم اعتقاد الصدق لا يستلزم عدم وجوده ،