تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
للواقع : إما : مع وجود اعتقاد موافق ، أو مع وجود اعتقاد مخالف ، أو بدون وجود اعتقاد أصلا ، وعدم مطابقته للواقع : إما مع وجود اعتقاد موافق للكلام ، أو مع وجود مخالف له ، أو بدون اعتقاد أصلا ، فهذه ستة : ثلاثة في وجود مطابقة الكلام للواقع ، وثلاثة في عدم وجود تلك المطابقة ، وقد اشترط في الصدق وجود المطابقة مع اعتقادها ، وهو الأول من ثلاثة أقسام المطابقة ، وفي الكذب عدم المطابقة مع اعتقاد ذلك العدم ، وهو الأول من ثلاثة أقسام عدم المطابقة ، وبقيت أربعة : اثنان من أقسام المطابقة ، واثنان من أقسام عدمها ، وهي الواسطة ، وإلى ذلك أشار بقوله : ( وغيرهما ) أي وغير هذين القسمين وهي الأربعة السابقة ( ليس بصدق ولا كذب ) بل هو واسطة ، فتبين بهذا أن تفسير الجاحظ للصدق أخص من تفسير الجمهور ، لأن مقتضى تفسيره : أن الصدق لا بد فيه من مطابقة الواقع والاعتقاد معا ، والجمهور قد اعتبروا مطابقة الواقع لا غير ، وإنما قلنا : إن مقتضى تفسيره ما ذكر ؛ لأنه لم يقل : مطابقته الواقع والاعتقاد معا ، لكن قوله : مع اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الاعتقاد ، فإن من اعتقد أن ما فهم من الكلام صحيح وهو كون مدلوله كذلك في نفس الأمر ، فقد طابق مفهوم الكلام اعتقاده ، ولو لم يكن كذلك في نفس الأمر فأحرى إذا اتحد الواقع والاعتقاد ، وأيضا إذا اتحد الواقع والاعتقاد فمطابقته لأحدهما تستلزم مطابقة الآخر ، وإن تفسيره الكذب أيضا أخص من تفسيرهم ؛ لأنه اعتبر عدم المطابقة للواقع والاعتقاد معا ، وهم اعتبروا عدم المطابقة للواقع لا غير ، وإنما قلنا كذلك ؛ لأنه ولو لم يصرح بالتفسير كذلك لكن لزم من كلامه ؛ لأن ما ذكر من اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد الذي ذكروا ؛ وذلك لأن الواقع حينئذ والاعتقاد متحدان ، فمفهوم اللفظ إذا لم يطابق أحدهما فيلزم أن لا يطابق الآخر . وأثبت الجاحظ الواسطة في الجملة ( بدليل ) قوله تعالى حكاية عن الكفار .
إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ
" 1 " فإنهم حصروا إخبار النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالحشر والنشر ، كما دل
هامش
( 1 ) سبأ : 7 ، 8 .