ولا داعى للتأويل المرهق ، والتقدير ، وافتراض الحذف ، أو التقديم ، أو التأخير ، رغبة في الوصول إلى وسيلة تخرجه من نطاق جواب الشرط المرفوع بضعف ، إلى نطاق شئ آخر يبيح رفعه بغير ضعف وبغير أن يكون جواب شرط . وفي هذا ما فيه من التكلف الذي لا يطابق الواقع . فوق ما يوجه إليه من اعتراضات أخرى « 1 » .
هامش
( 1 ) من أمثلة هذا التكلف والإرهاق ما يقوله سيبويه وبعض أئمة النحاة :
« ا » يقول سيبويه : إن المضارع المرفوع بعد فعل الشرط الماضي - مثل : إن رأتني تميل عنى . . - ليس هو جواب الشرط وإنما هو دليل على الجواب ، وتسميته بالجواب : تساهل أو مجاز لدلالته على الجواب . والجواب الحقيقي محذوف وهذا المضارع المرفوع قد تأخر مع فاعله عن موضعهما الأصلي الذي يسبق أداة الشرط . والأصل عنده : تميل عنى إن رأتني تمل . فالجواب محذوف دل عليه جملة :
( تميل عنى ) . وهذه الجملة المتقدمة على أداة الشرط قد تركت موضعها وجاءت متأخرة عن الجملة الشرطية ؛ ففي الكلام حذف الجواب ، وتأخير ما يدل عليه . وعلى هذا لا يجوز جزم ما عطف على هذا المضارع ، ويجوز أن يفسر ناصبا للاسم الذي قد يكون قبل الأداة ؛ مثل : محمدا إن جاء أكرمه وأرعاه .
وقال الكوفيون والمبرد : إن المضارع وما يتصل به هو الجواب ، ولكن على تقدير « الفاء » التي تدخل على الجواب أحيانا ؛ فتقوم في إفادة الربط بين جملتى الشرط والجواب مقام جزم الفعل ، ولا يجزم معها الفعل ؛ استغناء بها في الربط عن الجزم - كما سبق في ص 429 - . ويعرب هذا المضارع المرفوع مع فاعله خبرا لمبتدأ محذوف ، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره هي جواب الشرط في محل جزم . ويجب عندهم رفع المضارع في هذه الصورة ؛ لأن المضارع الواقع في حيز « فاء » الربط على الصورة السالفة واجب الرفع بالرغم من أن الفاء هنا مقدرة - سواء أكان فعل الشرط ماضيا ، نحو قوله تعالى :( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ )أم مضارعا كقوله تعالى :( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ) .ففي الكلام - عندهم حذف الفاء وتقدير وجودها ، وحذف المبتدأ ، وتكوين جملة منه ومن خبره تعرب جواب الشرط ، وجملة الجواب في محل جزم ، فيجوز العطف عليها بالجزم ، ولا يصح أن يكون لها معمول مقدم ولا أن تفسر عاملا .
وهذا الرأي - برغم ما فيه - أقرب من رأى سيبويه إلى القبول .
وهناك رأى ثالث قد يكون أقربها إلى السداد - برغم ما فيه أيضا - وملخصه : أن المضارع مرفوع لا لسبب مما ذكر ، ولكن لأن أداة الشرط لم يظهر لها تأثير في لفظه ؛ لأنها عجزت عن التأثير في لفظ فعل الشرط الماضي فضعفت عن الوصول إلى المضارع لتؤثر في لفظه أيضا ! ! وهذا التعليل واضح الفساد .
فما السبب في عجزها هنا وعدم عجزها حين تجزم المضارع مع فعل الشرط الماضي مع أن فعل الشرط ماض في الحالتين ؟ ومن ثم يظهر فساد التعليل ؛ - برغم ما سجله من أن الأداة عجزت عن التأثير في لفظ المضارع وهذا نوافقه عليه - وهو فوق ذلك مقصور على إحدى الحالتين . فلا يشتمل على الآتية :
« ب » ويقول سيبويه : فإن كان المضارع مرفوعا بعد فعل الشرط المضارع فإن تقدم على أداة الشرط عامل يطلب المضارع المتأخر المرفوع فالأفضل اعتبار هذا المضارع المتأخر منقولا من مكان سابق على أداة الشرط وأنه ترك مكانه الأصلي وتأخر عنه إلى المكان الذي حل فيه بعد الجملة الشرطية فهو دليل الجواب وليس جوابا حقيقيا إلا من باب التساهل أو المجاز . ويجب عنده اعتبار هذا المضارع الذي تأخر من تقديم معمولا هو وفاعله للعامل المحتاج إليهما قبل أداة الشرط . ففي المثال السالف : ( إنك إن -