القسم المقدّر « 1 » ؛ والأصل عندهم : ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون . فجملة ؛ " إنكم لمشركون " ، جواب للقسم لا للشرط ، ولم تذكر لام القسم مع أن القسم نفسه محذوف - ( والأصل واللّه إن أطعتموهم . . . ) لأن ذكر اللام بعد حذفه ليس واجبا ، وإنما هو أقوى وأكثر . وبهذا التأويل يقولون في آيات أخرى تشبه الآية السالفة في رأيهم ، مع أنها تخالفها في شئ هامّ ، ومن هذه الآيات قوله تعالى في المشركين :
( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
) وقوله تعالى :
( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) ،
ووجه المخالفة هو أن المضارع مؤكد هنا بالنون ؛ فالقسم محتم ليسوغ التأكيد بها .
وقال آخرون : إن الفاء ليست محذوفة في الآيات السالفة - وما يشبهها - وإنما هي مقدرة ملحوظة ؛ فكأنها مذكورة . ولكن كثرة النحاة لا ترتضى هذا الرأي « 2 » ، مع أن الخلاف شكلى محض . إذ مؤداء في الرأيين التأويل بالحذف ، وإن اختلفا في نوع المحذوف . والتمحل ظاهر في تأويل الآية الأولى ، وفي الحكم على الحديث بالندرة ، لوجود شواهد أخرى نثرية - لا تخضع للضرورة - وغير نثرية . فالأفضل أن يقال : إن الأعم الأغلب هو عدم حذف « الفاء » و « إذا » التي تنوب عنها ، وأنه يصح - مع القلة النسبية ، لا الذاتية - الاستغناء عنهما ، إن كانت أداة الشرط هي : « إن » « 3 » . . . .
ويقول أبو حيان وفريق من النحاة إنّ « إذا » الشرطية قد تنفرد بخلو جوابها منهما إذا كان الجواب منفيّا بأن ، أو : ما ، أو : لا . وجعل منه قوله تعالى :
« وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً . . . )
- كما سبقت الإشارة لهذا « 4 » -
هامش
( 1 ) أما جواب الشرط فمحذوف يدل عليه جواب القسم ( ولهذا صلة بما يجئ في هامش ص 454 ) .
( 2 ) جريا وراء الرأي الذي اختاره الرضى وآخرون . فقد جاء في شرحه للكافية - ج 2 ص 394 - ما نصه : ( قال بعضهم : إن قوله تعالى :« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »جواب الشرط ، والفاء مقدرة . ولم يقدر قسما . وهو ضعيف ؛ لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر ، كقوله :من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * والشر بالشر عند الناس مثلان ) . ا هومثله أبو حيان في كتابه البحر ( ج 4 ص 213 ) حيث يقول : ( زعم الحوفى أن قوله تعالى :« إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ »على حذف الفاء ، أي : فإنكم ، وهذا الحذف من الضرائر فلا يكون في القرآن وإنما الجواب محذوف . و « إنكم لمشركون » - جواب قسم محذوف ، والتقدير : واللّه إن أطعمتوهم . . . ) ا ه والخلاف بين الرأيين شكلى - كما سيجئ .
( 3 ) لأن أكثر الأمثلة المسموعة الخالية منها كانت أداة الشرط فيه هي : « إن » .
( 4 ) في النوع الخامس - ص 431 - .