تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وهل من النفي المحض النفي الواقع بعد : « الاستفهام التقريرى » « 1 » ؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق : ألم أتعهد شئونك صغيرا ؛ فتتذكر فضلى ؟ - ألم أجاهد في سبيل إسعادك فتحمد جهادي ؟ الصحيح جواز الأمرين ، النصب على اعتبار النفي محضا ، والرفع على اعتباره منقوضا وغير قائم ؛ بسبب همزة التقرير ، وبهما جاء القرآن . قال تعالى عن الكافرين :
( أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها . . . )
بنصب المضارع : « تكون » . وقال في آية أخرى :
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً )
، برفع المضارع : « تصبح » « 2 » . . . وإذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما ، والمعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها - فأين المعطوف عليه ؟ يقول النحاة : لا بدّ أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا ، ليتشابه المعطوف والمعطوف عليه في المعنى المجرد « 3 » . وفي هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل . فإن وجد مصدر في الكلام قبلها فهو المعطوف عليه ، وإن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السّابق ، وليس لهذا التصيد ضابط
هامش
( 1 ) الاستفهام الحقيقي هو : طلب معرفة شئ مجهول - حقا - للمتكلم . فهو يريد أن يعرفه . أما الاستفهام التقريرى فيراد به - غالبا - ثبوت مدلول الشئ المسؤول عنه ، المعلوم للمتكلم ؛ وتقريره في نفس المخاطب ، والسامع ، أي : طلب الاعتراف بوقوعه والموافقة على حصول مدلوله . فإن كان الاستفهام عن شئ منفى صار المعنى - غالبا - مثبتا بسبب الاستفهام المراد منه التقرير ؛ نحو : ألم تحضر فأحسن إليك . فالمعنى : أنك حضرت فعلا ، فأحسنت إليك . ومنه ( ألم نشرح لك صدرك . . ) وبسبب أنه يتضمن ثبوت المعنى المنفى ، غالبا ، وتقرير حصوله بغير نفى ، قال بعض النحاة : إن المضارع لا ينصب معه بعد الفاء ، وأن ما ورد منه منصوبا - كالآية الأولى ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون . . . ) فلمراعاة صورة النفي ، ومظهره اللفظي ، لا معناه ، أو لمراعاة الاستفهام في الكلام ، فما بعد الفاء - في هذه الصورة التي يراعى فيها الاستفهام - يكون جوابا للاستفهام ؛ لا للنفي . ولا يعنينا هذا الخلاف وما تفرع عنه من فروع كثيرة . إنما الذي يعنينا هو جواز الرفع والنصب مع ملاحظة أن المعنى على أحدهما يخالف المعنى على الآخر حتما . ولهذا تكملة هامة في رقم 3 من هامش ص 341 ( وتجىء إشارة موجزة - في رقم 1 من ص 351 - لبعض ما سبق ) ( 2 ) انظر رقم 1 من ص 351 وقيل : إن كان ما بعد الفاء مسببا عما قبلها نصب المضارع ؛ كالآية الأولى . وإلا رفع كالثانية ؛ لأن رؤية نزول المال ليست سبب الخضرة . ( 3 ) مما يوضح هذا ما سبق في ص 309 و 310 .
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 336 | عباس حسن