تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
السيارة . وقوله تعالى :
( كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) .
فكل كلمة من الثلاث : ( مطر - سيارة - رسول ) وأشباهها قد ذكرت مرتين ؛ أولاهما بغير « أل » فبقيت على تنكيرها ، وثانيتهما مقرونة بأل العهدية التي وظيفتها الربط بين النكرتين ربطا معنويّا يجعل معنى الثانية فردا محدودا محصورا فيما دخلت عليه وحده ، والذي معناه ومدلوله هو النكرة السابقة ذاتها . وهذا التحديد والحصر هو الذي جعل الثانية معرفة ؛ لأنها صارت معهودة عهدا ذكريّا ، أي : معلومة المراد والدلالة ؛ بسبب ذكر لفظها في الكلام السابق ذكرا أدى إلى تعيين الغرض وتحديده بعد ذلك ، وأن المراد في الثانية فرد معين « 1 » ؛ هو السابق ، وهذا هو ما يسمى : « بالعهد الذّكرى » . 2 - وقد يكون السبب في تعريف النكرة المقترنة بأل العهدية هو أن « أل » تحدد المراد من تلك النكرة ، وتحصره في فرد معين تحديدا أساسه علم سابق في زمن انته قبل الكلام ، ومعرفة قديمة في عهد مضى قبل النطق ، وليس أساسه ألفاظا مذكورة في الكلام الحالي . وذلك العلم السابق ترمز إليه « أل » العهدية وتدل عليه ، وكأنها عنوانه . مثال ذلك ؛ أن يسأل طالب زميله : ما أخبار الكلية ؟ هل كتبت المحاضرة ؟ أذاهب إلى البيت ؟ فلا شك أنه يسأل عن كلية معهودة لهما من قبل ، وعن محاضرة وبيت معهودين لهما كذلك . ولا شئ من ألفاظ السؤال الحالية تشير إلى المراد إلا : « أل » ؛ فإنها هي التي توجه الذهن إلى المطلوب . وهذا هو ما يسمى : « العهد الذهني » أو : « العهد العلمي » . 3 - وقد يكون السبب في تعريف تلك النكرة حصول مدلولها وتحققه في وقت الكلام ، بأن يبتدئ الكلام خلال وقوع المدلول وفي أثنائه ؛ كأن تقول : ( اليوم يحضر والدي ) . - ( يبدأ عملي الساعة ) - ( البرد شديد الليلة ) . . . تريد من « اليوم » و « الساعة » و « الليلة » ؛ ما يشمل الوقت الحاضر الذي أنت فيه خلال الكلام . ومثل ذلك : أن ترى الصائد يحمل بندقيته فتقول له : الطائر . أي : أصب الطائر الحاضر وقت الكلام . وأن ترى كاتبا يحمل بين أصابعه قلما فتقول له : الورقة . أي : خذ الورقة الحاضرة الآن . وهذا هو « العهد الحضوري » « 2 » .
هامش
( 1 ) لهذا إيضاح في رقم 3 من هامش ص 393 . ( 2 ) وأكثر ما تقع « أل » التي للعهد الحضوري بعد أسماء الإشارة ؛ نحو : جاءني هذا الرجل . أو بعد « أي » في النداء ؛ نحو : يا أيها الرجل . وقد تقع في غيرهما كالأمثلة التي عرضناها من قبل .
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 384 | عباس حسن