هامش
جنس ( أي : صنف ) له أفراده المتعددة البعيدة عن داخل العقل ، وعن منطقة الذهن التي لا تحتوى في داخلها شيئا حسيا وصار العقل بعد ذلك لا يحتاج - غالبا - في إدراك المراد منه إلى استرجاع صورة لفرد من أفراده ؟ فما اسم المعنى الذي انتزعه العقل ؛ ليمثل هذا الجنس ، ويدل عليه ، ويميزه من الأجناس الأخرى ؟ اسمه : « إنسان » .
كذلك أدرك العقل مجموع الصفات المشتركة بين على ، وأسد ، وعصفور ، وحصان . . . وكون منها معنى ذهنيا واحدا ولكنه عام يمثل جنسا ( أي : صنفا ) له في خارج العقل أفراد حقيقية كثيرة ، وهذا المعنى العقلي العام يسمى : « حيوانا » .
وكذلك أدرك العقل من مجموع الصفات المشتركة بين حديد وذهب وفضة . . . معنى ذهنيا عاما لجنس اسمه : « معدن » . ومن . . . و . . . وهكذا .
فالمعانى الذهنية العامة كثيرة ، وهي معان مجردة ؛ إذ لا يكون معها في داخل الذهن مدلولاتها الحسية الحقيقية التي في خارجه . فإذا كان الذهن يدرك معنى « رجل » و « إنسان » و « معدن » فهل يضم في داخله نماذج حقيقية لكل واحد من هذه ؟ لا .
ولما كانت المعاني الذهنية التي تمثل الأجناس متراكمة ، متزاحمة في داخله - وجب أن يكون لكل جنس اسم خاص به ، يميزه من غيره ؛ فلهذا اسم : « شجرة » ، ولذاك اسم : « إنسان » ، ولثالث اسم :
« حيوان » ، ولرابع اسم : « معدن » ولخامس اسم : « جماد » . . وهكذا . . فكلمة « شجرة » اسم لجنس معين ، أي : لمعنى ذهني متميز ، وكذا البواقي . فاسم الجنس اسم موضوع ليدل على معنى ذهني واحد ، ولكنه معنى عام ، مجرد ، له أفراد حقيقية ، كثيرة في خارج الذهن . وهذا معنى تعريفهم :
« أنه يدل على الماهية بغير نظر إلى أفرادها - غالبا - » . يريدون بالماهية : الحقيقة الذهنية المجردة ، أو : المعنى العقلي الخالص . وبذلك الاسم تتميز المعاني الذهنية بعضها من بعض ؛ أي : يتميز جنس من باقي الأجناس الأخرى .
من كل ما تقدم نعلم أن اسم الجنس عندهم هو اسم للمعنى الذهني المجرد ، وأن النكرة هي مدلوله الخارجي الذي ينطبق عليه ذلك المعنى فعلا ؛ أي : هي نفس الفرد الشائع . . . إلخ . هذا هو الفرق بينهما عند من يراه . وهو فرق فلسفي متعب في تصوره ، ليس وراءه فائدة عملية .
واسم الجنس ثلاثة أقسام سبق الكلام عليها في الباب الأول ( ص 22 وما بعدها ) .
ويسوقنا الكلام عن النكرة وعن اسم الجنس إلى شئ ثالث لا مناص من إيضاحه هنا ؛ وهو :
« علم الجنس » . فما المراد منه ؟ وما مدلوله ؟ وما أحكامه ؟
أطلنا الكلام في اسم الجنس ، وكررنا له الأمثلة ، وانتهينا من كل ذلك إلى أنه الاسم الموضوع للمعنى العقلي العام المجرد ، أي : للحقيقة الذهنية المحضة . . . وأننا حين نسمع ، أو نقرأ - كلمة « شجرة » ، أو : إنسان ، أو : معدن . . . نفهم المراد منها سريعا من غير أن يستحضر العقل - في الغالب - صورة معينة للشجرة ؛ كالنخلة ، أو صورة معينة للإنسان ؛ كحسين ، أو : صورة معينة للمعدن ؛ كذهب ، فقد استغنى العقل عن تلك الصورة بعد مشاهداته الأولى الكثيرة ، وصار يدرك المراد حين يسمع اسم الجنس إدراكا مجردا ، أي : خاليا من استحضار صورة فرد من أفراد ذلك الجنس ومن غير حاجة - في الغالب - إلى استرجاع شكله وهيئته كما شرحنا .
لكن هناك بعض الصور العقلية ( أي : الصور الذهنية ) لأجناس لا يمكن - بحال - أن يدركها العقل وحدها من غير أن يتخيل صورة فرد أي فرد - من ذلك الجنس - ، ولا يمكن - مطلقا - أن يفهم المراد منها من غير أن يستحضر صورة لواحد - أىّ واحد - تنطبق عليه : مثال ذلك كلمة : أسامة ؛ فإن معناها « أسد » لكن لا يدرك العقل معناها إلا مصحوبة بصورة « أسد » ؛ فالحقيقة الذهنية هنا ليست مجردة من صورة فرد ؛ وإنما يلازمها حتما صورة تنطبق عليه . وكذلك كلمة : « ثعالة » فإن معناها : « ثعلب » ولكن العقل لا يفهم هذا المعنى منعزلا ولا منفصلا عن مصاحبة صورة « لثعلب » . وذلك على خلاف كلمة « أسد » وثعلب وأشباههما . . . وبعبارة أخرى ؛ كلمة : « أسد » و « ثعلب » وأشباهها تدل في -