من سائر النكرات تدل على مدلول واحد ، لفرد واحد ، ولكن هذا الفرد شائع ، له نظائر وأشباه كثيرة قد تبلغ الآلاف . . . ، ويصلح كل منها أن يكون هو المقصود ، وليس بعضها أولى من بعض في ذلك ، فإذا أردنا لهذه الكلمة أن تدل على مدلول واحد معين لا ينطبق على غيره وجب أن نضم إليها زيادة لفظية أو معنوية تجعل مدلولها مركزا فيه وحده بغير شيوع ، كأن تقول : رأيت رجلا في النادي ، فصافحت الرجل . أو هذا رجل ، أو : أعجبني هذا . مشيرا إلى شئ حسى أو معنوي معروف متميّز ، أو : أكرمت الذي زارك . فوجود « أل » في كلمة « الرجل » بالطريقة السالفة جعلتها تدل على معين . ووجود الإشارة الحسية أو المعنوية جعلت كلمة : « هذا » تدل على معين . ووجود صلة الموصول - وهي لفظية - جعلت كلمة : « الذي » تدل على معين . ووجود قرينة التكلم أو الخطاب جعلت ضميرهما يدل على معين . وهكذا ؛ فلو لا الزيادة التي انضمت إلى كل واحدة ما حصل التعيين والتخصيص . . . ومن هنا يتضح الفرق بين كلمات القسم الأول التي هي نوع من المعرفة يسمى : « العلم الشخصي » « 1 » أو « علم الشخص » وكلمات القسم الثاني التي هي نكرة قبل وجود الزيادة التي انضمت إليها . ثم صارت بعدها نوعا من أنواع المعرفة . فكلمات القسم الأول تستمد من ذاتها وحدها التعيين والتحديد ، بخلاف الثانية . وهذا معنى قولهم في تعريف العلم :
« إنه اللفظ الذي يدل على تعيين مسماه تعيينا مطلقا » ، أي : غير مقيّد بقرينة تكلم ، أو خطاب ، أو غيبة ، أو إشارة حسية ، أو معنوية ، أو زيادة لفظية ؛ كالصلة . . . أو غير ذلك من القرائن اللفظية أو المعنوية التي توضح مدلوله ، وتحدد المراد منه . فهو غنى بنفسه عن القرينة ، لأنه علم « 2 » مقصور على مسماه ، وشارة خاصة به وافية في الدلالة عليه . وكل كلمة من كلمات القسم الثاني
هامش
( 1 ) لأن مدلوله في الغالب شئ مشخص ، أي : مجسم ، محسوس ، متميز من غيره . وقد يكون شيئا ذهنيا ؛ كالعلم الذي يسمى به الجنين المنتظر ولادته ، وكالعلم الدال على قبيلة معينة ؛ بحيث يراد به مجموع من وجد فيها ومن سيوجد ، فإن هذا المجموع لا وجود له إلا في الذهن فقط ، ولا وجود له في خارج الذهن ، إذ لا يقع تحت الحس . وهذا النوع يسمى : العلم الذهني ، أي : الموضوع لمعين في الذهن فقط ، متخيل وجوده في خارجه .
( 2 ) علامة .