قال أبو سعيد : اعلم أن سبأ مهموز في الأصل كما قال عز وجل :
لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ
" 1 " وكانوا باليمن فخافوا سيلا يهلكهم فتفرقوا في البلاد وتباعدوا ، فضرب المثل بهم للمتفرقين . ويقال : تفرق القوم أيادي سبا وأيدي سبا ، والأيدي عبارة عنهم ، كأنه قال : تفرقوا أولاد سبا ؛ أي تفرّق أولاد سبا ، فمنهم من جعلهما اسمين كاسم واحد ، فبناهما وجعلهما في موضع الحال ، فصار بمنزلة قولك هو جاري بيت بيت ، كأنه قال : وجاري ملاصقا . وإذا قال ذهبوا أيادي سبا ؛ فمعناه ذهبوا متفرقين . ويجوز أن تضيف فتنون ( سبا ) لأن سبأ يصرف ولا يصرف ، غير أنهم أجمعوا على ترك الهمز فيه من هذا المثل .
وقالي قلا بمنزلة حضر موت ، ولم تسمع فيه الإضافة ، والقياس لا يمنع منها ، وقد أنشد :
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا * بقالي قلا أو من وراء دبيل " 2 "
وأما بادي بدا فهو في موضع الحال كقولك بيت بيت .
وقد أنشد قول أبي نخيلة :
وقد علتنى ذرأة بادي بدي * ورثية تنهض في تشدّدي " 3 "
يقال بادي بدا وبادي بدي ومعناه فيما ذكر ظاهر الظهور من قولك : بدا يبدو إذا ظهر .
قال : " ومثل أيادي سبا وبادي بدا ( شفر بفر ) ولا بد من أن تحرّك آخره ، كما ألزموا التحريك الهاء في ذيّة ونحوها لشبه الهاء بالشيء الذي ضم إلى شيء "
قال أبو سعيد : بمعنى أن شفر بفر ، وإن كان مثل أيادي سبا وبادي بدا في أنهما جعلا كاسم واحد ، فإن آخر الأول منهما مفتوح ، وأيادي سبا وما جرى مجراه مما يكون في آخر الاسم الأول منهما ياء تكون الياء ساكنة ، وإنما سكنت لأن الياء أثقل من
هامش
( 1 ) سورة سبأ ، من الآية 15 .
( 2 ) البيت بلا نسبة في الكتاب 3 / 305 ، والمقتضب 4 / 24 ، واللسان ( قلى )
( 3 ) البيتان من مشطور الرجز ، وهما في الكتاب 3 / 304 ، والمقتضب 4 / 27 ، والخصائص 2 / 364 ، واللسان ( ذرأ ) .