قلت : كذلك كان قياسه ، ولذلك كان الأكثر على ذلك ، ولكنّه لّما كان يمكن تقدير المبتدأ محذوفا صحّ دخول الفاء على هذا التأويل ، فيصير بمثابة ما ذكر فيه المبتدأ .
فإن قلت : فلم لم يقدّر ذلك في الماضي ، وحينئذ يجوز إدخال الفاء .
قلت : لا يمكن ذلك في الماضي ، لأنّه إذا قدّر ذلك صار الفعل في سياق خبر المبتدأ ، فيلزم منه معناه ، وهو المضيّ ، وتبطل إفادة الاستقبال فيه لانقطاعه عن الشّرط ، فيختلّ معنى الجزاء ، لأنّه حينئذ يصير ماضيا من جهة الفعل مستقبلا من جهة الشّرط « 1 » ، وذلك غير مستقيم .
فإن قلت : فقد جاء الماضي مصرّحا به في قولك : « إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس » فكيف يكون تقدير كونه ماضيا في المعنى / مفسدا ؟
قلت : صحّ ثمّة لأنّ المضيّ مقصود ليس إلّا ، والجزاء على التأويل المتقدّم ، وأمّا ههنا فلم يقصد به من حيث المعنى إلّا الاستقبال والفعل غير صالح له لا بنفسه ولا بالشّرط ، فلذلك اختلّ ههنا ، ولم يختلّ ثمّة ، فثبت أنّه لا يلزم من جواز دخول الفاء في المضارع جواز دخولها في الماضي ، وامتناع دخولها في « إن أكرمتني لم أكرمك » كامتناعها « 2 » في الماضي سواء .
« وقد تجيء الفاء محذوفة في الشذوذ كقوله « 3 » :
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها * . . .
ومثل ذلك متّفق على تأويله ، وإنّما الخلاف في مثل قولك : « إن تكرمني أكرمك » ، فالمبرّد يقول : على حذف الفاء أيضا « 4 » ، وسيبويه يقول : على التقديم ، كأنّه قال : أكرمك إن تكرمني » « 5 » ، وهو قريب .
قوله : « ويقام « إذا » مقام الفاء » .
يعني إذا كان الموضع للابتداء والخبر ، لا في غيره ، كقولك : « إن تكرمني إذا زيد يكرمك » ،
هامش
( 1 ) في ط : « الجزاء » .
( 2 ) في ط : « بامتناعها » . تحريف .
( 3 ) سلف البيت ورقة : 258 أمن الأصل .
( 4 ) انظر ما سلف ورقة : 258 أمن الأصل .
( 5 ) انظر الكتاب : 3 / 66 - 67 ، والمقتضب : 2 / 69