[ حكم تقديم الجواب المقترن بالفاء على سببه ]
قال ابن مالك : ( ولا يتقدّم ذا الجواب على سببه خلافا للكوفيّين ، وقد يحذف سببه بعد الاستفهام ، ويلحق بالنّفي التّشبيه الواقع موقعه ، وربّما نفي ب « قد » فينصب الجواب بعدها ) .
شرح
الحديث ناشئا عنه مترتبا عليه فصار مسببا عن الإتيان بالجعل لا بالعقل ، وإذا كان كذلك جاز أن يتخلف عنه ، وإذا جاز تخلفه عنه لم يلزم من وجود الإتيان على هذا وجود الحديث ومما يحقق ما قلته أن ابن الحاجب رحمه الله تعالى بعد أن قرر المعنى الأول قال ( 1 ) مشيرا إلى المعنى الثاني : وهو أن يقصد إلى أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأول كما تقول : ما جاءني زيد وعمرو أي : ما جاءا بصفة الاجتماع ، ويجوز أن يكون أحدهما جاء . انتهى .
وعلى هذا المعنى وهو قصد نفي ترتب الثاني على الأول دون قصد نفي الأول قول النبي صلّى الله عليه وسلّم : « لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم » ( 2 ) لأن النفي باشر « يموت » وليس المقصود نفيه ، بل المقصود نفي ترتب المس على هذا الذي ذكر وهو موت ثلاثة من الولد ، كما قصد نفي ترتب الحديث على الإتيان لا نفي الإتيان ( 3 ) .
وحاصل الأمر : أن الفاء تفيد السببية في جميع الصور التي ينتصب الفعل فيها بعدها إلا في إحدى صورتي النفي وهي الصورة التي ذكرناها وهي : ما تأتينا فتحدثنا ، إذا أردت : ما تأتينا محدثا بل غير محدث ، والذي أحوج إلى هذا الذي كتبته أن بعض الفضلاء استشكل قول النحاة : إن « الفاء » حيث نصب الفعل بعدها تكون للسببية ، ثم إنه رأى السببية لا تتصور في هذه الصورة إذا أردنا هذا المعنى ، والذي استشكله ظاهر والجواب عنه ما ذكرته ، والله تعالى أعلم .
قال ناظر الجيش : قال الإمام بدر الدين ( 4 ) : لا يجوز تقديم الجواب ب « الفاء » -
هامش
( 1 ) انظر : الإيضاح شرح المفصل ( 2 / 16 ) .
( 2 ) أورده البخاري في باب الجنائز عن أبي هريرة رضي الله عنه ، انظر : صحيح البخاري بشرح السندي ( 1 / 217 ، 239 ) والموطأ ( 1 / 235 ) وانظر : الفائق في غريب الحديث للزمخشري ( 1 / 306 ) ويعني بتحلة القسم :
الورود والاجتياز كما في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [ مريم : 71 ] .
( 3 ) هذا الكلام هو مضمون كلام ابن الحاجب في الإيضاح شرح المفصل ( 2 / 16 ، 17 ) .
( 4 ) انظر : شرح التسهيل للإمام بدر الدين ( 4 / 34 ) .